ومن الإيمان ما يكون إيماناً اختيارياً لا اضطرار فيه ولا إكراه، كما هو الحال عند الإنس، فَعُدَّ أصلاً ومناطاً للتكليف، وبالإيمان الاختياري ينتسب الإنسان إلى الله تعالى فيسميه مؤمناً أولاً، ومكلَّفاً ثانياً، لأن التكليف في حقه على فرض الاضطرار، فتلزمه صفة المكلَّف في كل حال، أما اسم المؤمن فلا يطلق عليه إلا في حالة الانتساب، إذ هو رهن اختياره، وطوع إرادته.
غير أن انتساب الإنسان لله تعالى أو إيمانه به، لا بد أن ينهض مع كل الاعتبارات على دعامة راسخة من الاختيار الحر المبرأ من ضروب القهر والاضطرار كافة. وذلك كي يحفظ للصفة التكليفية خصوصيتها، بل إن هذه الصفة هي التي تقتضي الاختيار وتحتمه على نحو يبرهن على جلالها من جهة وعلى قدسية الاختيار من جهة أخرى، ومرجع ذلك –وكما يقول النورسي- إلى أنه بالانتساب الاختياري يتفاضل الناس، وبه يتمايزون، "ولولاه لضاع سر التكليف، وضاعت نتيجة الاختيار، والغاية من الامتحان، ولتساوي الناس جميعاً، سواء من كان استعداده كالفحم في خساسته، مع آخر كالألماس في نفاسته"(1).
ولعل فيما انتهى إليه النورسي إشارة إلى أن المعجزة بطبيعتها القهرية على التصديق والانقياد لا توجب الإيمان ولا تتحقق الانتساب كما هو مراد الله تعالى وذلك لأن المعجزة لا تبقى للإنسان اختيار، بل هي تقهر، والمقهور مسلوب الإرادة مشلول القدرة، لا ذاتية له في حركته، ومن هذا حاله لا ينشرح صدره لتكليف، ولا يقبل بفرح وسرور على مهمة توكل إليه، ومن ثم ينتفي تماماً أساس الانتساب ومحور الصلة بين الله والإنسان.
(1) - المكتوبلت- النورسي ص118.