تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الأدلة والشواهد التي ساقها ذلك الصديق العاقل قد برهنت بالفعل على وجود مالك عالم وحكيم وقادر لهذه المملكة، لا تراه العيون ومعروف بالعقل. وأن مظاهر وجوده مبثوثة في كل ركن من مملكته، وفي كل حركة ومتحرك، فسلم المعاند بها تسليم المضطر، ولكنه بقي في نفسه شيء يخصه، فقاطعه متسائلاً:

" لنسلم بوجود السلطان، ولكن ماذا يمكن أن تضره وتنقص من خزائنه استفادتي القليلة هذه؟ ثم إني لا أرى هنا عقاباً من سجن أو ما يشبهه.

أجابه صاحبه:

يا هذا، إن هذه المملكة التي تراها ما هي إلا ميدان امتحان واختبار وساحة تدريب ومناورة، وهي معرض صنائع السلطان البديعة، ومضيف مؤقت جداً، ألا ترى قافلة تأتي يومياً وترحل أخرى وتغيب، فهذا شأن هذه المملكة العامرة، أنها تملأ وتخلى باستمرار، وسوف تفرغ نهائياً وتبدل بأخرى باقية دائمة، وينقل إليها الناس جميعاً فيثاب أو يعاقب كل حسب عمله".(1)

ومقصوده أن هذه المملكة ليست محل إقامة دائمة، بل هي ممر ومعبر لدار أخرى، الإقامة فيها دائمة ومستمرة، وبالتالي فإن المقيمين فيها إقامة مؤقتة لا يحصيهم العد، ثم يأتي عليهم زمان ينقلون إلى تلك الدار الباقية ليحاسب كل واحد منهم على أعماله.

وختم النورسي روايته للحوار بينهما بقوله:

" ومرة أخرى تمرد صديقه الخائن الحائر قائلاً:

أنا لا أومن ولا أصدق، فهل يمكن أن تباد هذه المملكة العامرة ويرحل عنها أهلها إلى مملكة أخرى؟

وعندها قال له صديقه الناصح:

يا صاحبي ما دمت تعاند هكذا وتصر، فتعال أبين لك دلائل لا تعد ولا تحصى تؤكد لك أن هناك محكمة كبرى حقاً، وداراً للثواب والإحسان، وأخرى للعقاب والسجن، وإنه كما تفرغ هذه المملكة من أهلها يوماً بعد يوم، فسيأتي يوم تفرغ فيهم منهم نهائياً وتباد كلياً".(2)

أما الأدلة التي استند عليها على القيامة والثواب والعقاب، فأجملها في قوله:

(1) الكلمات – النورسي ص 49

(2) الكلمات – النورسي ص 49

رسائل عن النورسية · الصفحة ٥٤٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٥٤٩