" إن رجلاً يدخل إلى ديوان السلطان بهدية زهيدة متواضعة بقيمة خمسة فلوس، ويشاهد هناك هدايا مرصوصة تقدر أثمانها بالملايين أرسلت إلى السلطان من ذوات مرموقين، فعندها يناجي نفسه: ماذا أعمل. إن هديتي زهيدة، لا شيء، إلا أنه يستدرك ويقول:
يا سيدي، إنني أقدم لك جميع هذه الهدايا باسمي، فإنك أهل لها، ويا سيدي العظيم لو كان باستطاعتي أن أقدم لك أمثال أمثال هذه الهدايا الثمينة لما ترددت.
وهكذا فالسلطان الذي لا حاجة له إلى أحد والذي يقبل هدايا رعاياه رمزاً يشير إلى مدى إخلاصهم وتعظيمهم له، يقبل تلك الهدية المتواضعة جداً من ذلك الرجل المسكين، كأعظم هدية، وذلك بسبب تلك النية الخالصة منه، والرغبة الصادقة، واليقين الجازم السامي".(1)
ولا شك أن الرجل العامي البسيط حين يقارن بين هديته التي لا تكاد في قيمتها في المادية تساوي شيئاً، وبين الهدايا الكثيرة التي لا تقدر بثمن، ومن أناس لهم حظوة ومكانة رفيعة عند السلطان، يحتقر هديته ويزدريها، ولكنه سرعان ما عوض شعوره بالنقص، فسعى إلى نوال رضا السلطان بأن بادر نيابة عن الآخرين وباسمه هو شخصياً بتقديم كل ما أهدي إليه. وبهذه النية المجردة من كل شيء إلا رضا السلطان، تقبلها منه راضياً عنه.
وهكذا وكما يرى النورسي، فإن العبد الذي يقول عند التشهد (التحيات للّه) ينوي بها قوله:
" إنني أرفع إليك يا إلهي باسمي هدايا العبودية لجميع المخلوقات – التي هي حياتها – فلو كنت أستطيع أن أقدم التحيات إليك يا ربي بعددهم لما أحجمت ولا ترددت، فإنك أهل لذاك، بل أكثر".(2)
فسلام العبد لربه، وإن كان سلاماً فردياً، إلا أنه يوجهه باسمه ونيابة عن جميع العباد والمخلوقات للّه تعالى، ولو كان يملك من الأهلية والاستعداد ما يقدمه عن كل واحد منهم، فرداً فرداً لما امتنع ولا قصر.
ثم علق النورسي على مقولة ذلك العبد بقوله:
(1) الكلمات- النورسي ص 415
(2) الكلمات- النورسي ص 415