تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فطفق الأول يتأمل في وضع هذا الطاؤوس وهيكله ونقوش خوارق القدرة في كل ريشة منه، فيغمره العشق والشوق والمحبة تجاه هذا الطير، فيترك شيئاً من التفكير العميق إلى جانب مستمسكاً بالعشق ولكنه يرى أن تلك النقوش المحبوبة تتحول وتتبدل يوماً بعد يوم، وأن تلك المحبوبات التي يوليها الحب والعشق تغيب وتزول كل يوم، فكان ينبغي له أن يقول:

إن هذه النقوش المتقنة إنما هي لنقاش مالك للخلاقية الكلية مع أحديته الذاتية، وله الربوبية المطلقة مع وحدانيته الحقيقة، إلا أنه لم يتمكن من أن يستوعب هذا ويدركه، فبدأ يسلى نفسه ويقول بدلاً من ذلك الاعتقاد:

إن روح هذا الطاؤوس روح سامية عالية بحيث إن صانعه فيه، أو قد أصبح هو نفسه، وأن تلك الروح العالية متحدة مع جسد الطاؤوس، ولأن جسده ممتزج مع صورته الظاهرة، فإن كمال تلك الروح، وعلو ذلك الجسد هما اللذان يظهران هذه الجلوات على هذه الصورة البديعة، حتى يظهر في كل دقيقة نقشاً جديداً وحسناً مجدداً، فليس هذا إيجاد باختبار حقيقي، بل هو جلوة وتظاهر.

أما الشخص الأخر، فيقول:

إن هذه النقوش الموزونة المنظمة المتقنة تقتضي يقيناً إرادة واختياراً وقصداً ومشيئة، فلا يمكن أن تكون جلوة بلا إرادة، ولا تظاهراً بلا اختيار".(1)

فالصورة المفترضة هي لطاؤوس مخالف في طبيعته لحجمه التقليدي، فجسمه ضخم وكبير، وجماله وزينته يفوقان الوصف، وله مقدرة هائلة على الطيران من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، وفي سرعة البرق، وقادر على نشر جناحيه شمالاً وجنوباً، وجمعهما في لحظة واحدة، أما ألوانهما ففي منتهى الحسن والجمال.

وإزاء هذا الطائر الرائع وقف رجلان ينظران إليه بدهشة وانبهار، وكل منهما يريد بقوة فكره وخياله الوصول إلى مستواه الرفيع وجماله المعجز الأخاذ.

(1) اللمعات – النورسي ص 63

رسائل عن النورسية · الصفحة ٥٤٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٥٤٤