"لو تمكنت تلك الأسباب من الإيجاد فإنها لا تتمكن من ذلك إلا بالجمع. فما دامت ستقوم بالجمع، وستجمع حتماً. وإن الكائن الحي –أيا كان- ينطوي على أغلب ما في العالم من عناصر وأنواع، وكأنه خلاصة الكائنات أو بذرتها، فلا بد والحالة هذه من جمع ذرات البذرة من شجرة كاملة. وجمع عناصر الكائن الحي وذراته من أرجاء العالم أجمع، وذلك بعد تصفيتها وتنظيمها وتقديرها بدقة وإتقان، حسب موازيين خاصة ووفق مصاف حساسة ودقيقة جداً.
ولكون الأسباب المادية الطبيعية جاهلة وجامدة فلا علم لها مطلقاً كي تقدر خطة وتنظم منهجاً، وتنسق فهرساً، وكي تتعامل مع الذرات وفق قوالب معنوية، مصهرة إياها في تلك القوالب لتمنعها من التفرق والتشتت واختلاط النظام. لذا فإن إعطاء شكل معين من بين تلك الأشكال غير المحدودة. وضمن تلك المقادير غير المعدودة. ومن ثم تنظيم ذلك الشكل بمقدار معين دون أن تتبعثر ذرات العناصر الجارية كالسيل وبانتظام كامل، ومن ثم بناؤها وعمارتها بعضها فوق بعض بدون قوالب خاصة وبدون تعيين للمقادير ومن ثم إعطاء الكائن الحي وجوداً منتظماً منسقاً، كل هذا أمر واضح أنه خارج عن حدود الإمكان، بل خارج عن حدود العقل والاحتمال". (1)
إن المحصلة الطبيعية لتلك الصعوبة ولذلك الامتناع تكمن في عدم إمكان الأسباب. وذلك لأن الأسباب المادية كافة لا يمكنها أن تجمع وتنسق جسم –مخلوق- واحد وأجهزته، وفق موازين دقيقة خاصة حتى لو أوتيت تلك الأسباب إرادة واختياراً، بل حتى لو تمكنت من تكوين جسمه وجمعه فإنها لا تستطيع إبقاءه على مقداره المعين له، بل حتى لو تمكنت من إبقائه بالمقدار المعين فلن تستطيع تجديده باستمرار، لذا فمن البداهة أن الأسباب لن تكون مالكة لهذه الأشياء، ولن تكون صاحبتها قطعاً، إنما صاحبها هو غير الأسباب، إن لها مالكاً وصاحباً حقيقياً بحيث إن أمر الخلق عنده سهل ويسير". (2)
(1) - المصدر السابق ص 369،371
(2) - المصدر السابق ص 370