تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولأجل هذا عدت دعاوى الإنكار والمنكرين دعاوى متعددة ومتباينة ومختلفة. رغم أنها تبدو واحدة في الظاهر، إذ لا يتحد بعضها مع البعض الآخر كي يؤازره ويشد من عضده، فتأتي نتائجها متعددة ومتفرقة. بينما دعاوى المثبتين تتحد وتتساند ويجتمع بعضها مع البعض الآخر، ويدعم أحدهما الآخر، وبمثل هذا التعاون وتلك المؤازرة يقوى الحكم ويرسخ ويغدو صادقاً لا يكابر فيه إلا جاحد.

وعليه فلا قيمة ولا أهمية إلى اتفاق آلاف الكفار والملاحدة في إنكارهم لوجود الله تعالى، أو لسواه من حقائق الإيمان والغيب. وليس في نفيهم أي سند، ولا يعتد بأحكامهم في مجال العلم والمعرفة، إذ لا تعدو في الحقيقة عن كونها جهلاً وعدماً. بينما يكفي حكم اثنين من المؤمنين تساندهما وتعاضدهما الحقائق الإيمانية الثابتة ثبوتاً قطعياً بأدلة وبراهين أظهرتها ظهوراً بلغ حد التعيين الإشاري.

فنحن هنا ومن خلال تلك الرؤية النورسية، لا نثبت إلا ما هو حق وواجب وواقع بالفعل، أي لا نثبت إلا ما هو موجود وجوداً عينياً، فكأن حقيقة الوجود في المثبت صفة كامنة فيه، وخاصية مميزة له. تجعل من الحكم عليه بالثبوت حكماً لازماً له لزوم الصفة لموصوفها.

ومعنى الإثبات في كل الأحوال هو تعيين حقيقة الموجود بحيث لا مسوغ من بعد ذلك لإنكاره، إذ لا نثبت في واقع الأمر إلا ما هذا شأنه، وبالتالي يسقط من الاعتبار كل ما هو منكر. بل إن كل ما يفتقر إلى حقيقة مخصوصة ومفردة في الخارج هو في حكم العدم، ولا مدخل له بأي معنى من المعاني ضمن دائرة العلم والمعرفة

رسائل عن النورسية · الصفحة ٥٢٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٥٢٩