تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

"يحضر أعرابي مجلس الرسول صلى اللّه عليه وسلم لدقيقة واحدة فيكسب محبة اللّه، ويكون معه صلى اللّه عليه وسلم في الجنة، حسب ما ورد في الحديث الشريف ( المرء مع من أحب ) فكيف يعادل فيض غير متناه يناله الرسول مع فيض هذا الأعرابي؟ كيف يتساوى الجميع في التمتع بنعيم الجنة مع تفاوتهم الكبير في العمل والأجر واختلافهم البين في المراتب والمنازل عند اللّه؟".

فأجاب:

" نشير إلى هذه الحقيقة السامية بمثال:

رجل عظيم أعد ضيافة فاخرة جداً في بستان مزهر رائع الجمال، وهيأ موضعاً في منتهى الزينة والإبداع، جامعاً لجميع أنواع المطعومات التي تحس بها حاسة الذوق، شاملاً جميع المحاسن التي ترتاح إليها حاسة البصر، ومشتملاً على جميع الغرائب التي تبتهج قوة الخيال، وهكذا وضع فيه كل ما يرضى ويطمئن كل حاسة من الحواس الظاهرة والباطنة.

والآن يذهب صديقان معاً إلى تلك الضيافة ويجلسان جنباً إلى جنب على مائدة واحدة. في مكان مخصص، ولكن أحدهما يملك حاسة ذوق ضعيفة لا يتذوق إلا شيئاً قليلاً من تلك الضيافة، ولا يرى كثيراً من الأشياء، لأن بصره ضعيف، ولا يشم الروائح الطيبة، لأنه فاقد لحاسة الشم، ولا يفهم خوارق الأشياء لعجزه عن إدراك غرائب الصنعة، أي لا يستفيد من تلك الروضة الرائعة، ولا يذوق من تلك الضيافة العامرة إلا واحداً من ألف، بل من مليون فيها، وذلك حسب قابلياته الضعيفة.

أما الآخر فلأن جميع حواسه الظاهرة والباطنة وجميع لطائفه من عقل وقلب وحس كاملة مكتملة، متفتحة متكشفة بحيث إنَّ جميع دقائق الصنعة من ذلك المعرض البهيج، وجميع ما فيه من جمال ولطائف وغرائب، يتحسَّسُهَا ويتذوقها، مع أنه جالس مع الرجل الأول". (1)

والحكاية الرمزية واضحة، فالرجل ذو العظمة والأبهة أعد مأدبة كبيرة لضيوفه، وفر لهم فيها كل أسباب المتعة والجمال، وعلى هذه المأدبة جلس صديقان:

(1) الكلمات – النورسي ص 588

رسائل عن النورسية · الصفحة ٥١٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٥١٨