تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأدرك الرجل وكما يصفه النورسي سلامة قول صاحبه وصوابه، ولكنه حاد عنه لحماقته وقلة تبصره بعواقب الأمور، فرد عليه قائلاً:

" دعني يا صاحبي، فهذه الأموال ليست أموال الدولة، بل هي أموال مشاعة لا مالك لها، يستطيع كل واحد أن يتصرف فيها كما يشاء، فلا أرى ما يمنعني من الاستفادة منها، أو الانتفاع بهذه الأشياء الجميلة المنثورة أمامي، واعلم أني لا أصدق بما لا تراه عيناي".(1)

فالمبررات التي أدلى بها الرجل في رده على صاحبه ومنحته مطلق الحق في الاستيلاء على الأموال تنحصر في أنه لم يشاهد بعينيه سلطة ولا نظاماً ولا قانوناً يحول بينه وبين التمكن منها. ولا حتى مالك يدافع عنها ويمنعه من تناولها والتمتع بها.

عندها تبين له أن الرجل بلا علم يستند عليه في عمله. وبلا حجة تقوى من موقفه، ومع هذا يسلك معه مسلك العلماء وهو بعيد عنهم، فدار بينهما حوار قصير تساءل في مقدمته:

" وما السلطان فأنا لا أعرفه.

فرد عليه صاحبه:

إنك بلا شك تعلم أنه لا قرية بلا مختار، ولا إبرة بلا صانع وبلا مالك، ولا حرف بلا كاتب، فكيف يسوغ لك القول: إِنه لا حاكم ولا سلطان لهذه المملكة الرائعة المنتظمة المنسقة؟ وكيف تكون هذه الأموال الطائلة والثروات النفيسة الثمينة بلا مالك، حتى كأن قطاراً مشحوناً بالأرزاق الثمينة يأتي من الغيب كل ساعة ويفرغ هنا ثم يذهب، أو لا ترى في أرجاء هذه المملكة إعلانات السلطان وبياناته، وأعلامه التي ترفرف في كل مكان، وختمه الخاص، وسكته وطرته على الأموال كلها. فكيف تكون مثل هذه المملكة دون مالك؟

يبدو أنك تعلمت شيئاً من لغة الإفرنج، ولكنك لا تستطيع قراءة هذه الكتابات الإسلامية، ولا ترغب أن تسأل من يقرأها ويفهمها، فتعال إذن لأقرأ لك أهم تلك البلاغات والأوامر الصادرة من السلطان".(2)

(1) الكلمات – النورسي ص 48

(2) الكلمات – النورسي ص 49

رسائل عن النورسية · الصفحة ٥١١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٥١١