تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" تأمل هذه الزهرة، وهي كلمة من كلمات القدرة الإلهية، أنها تنظر إلينا مبتسمة لنا لفترة قصيرة، ثم تختفي وراء ستار الفناء، فهي كالكلمة التي نتفوه بها، التي تودع آلافاً من مثيلاتها في الأذان وتبقى معانيها بعدد العقول المنصتة لها، وتمضي بعد أن أدت وظيفتها، وهي إفادة المعنى.

فالزهرة أيضاً ترحل بعد أن تودع في ذاكرة كل من شاهدها صورتها الظاهرة، وبعد أن تودع في بذيراتها ماهيتها المعنوية، فكأن كل ذاكرة وكل بذرة بمثابة صور فوتوغرافية لحفظ جمالها وصورتها وزينتها ومحل إدامة بقائها".(1)

وكما يستفاد من المثل، فهناك حقيقة واحدة ذات بعدين متلازمين، ووجهين متشابهين:

أولهما: أن فناء الدنيا بمخلوقاتها هو أشبه بتحريرها من أسر كانت مكبلة فيه.

وثانيهما: أن تلك المخلوقات تحمل في باطنها قدرة عجيبة للمحافظة على نوعها، فتترك وراءها دوماً عناصر وأصول بقائها بصور وأشكال كثيرة ومتنوعة.

الفصل التاسع

الوجود

ظاهر الوجود ومعناه

من خصائص وجود الموجودات الثابتة في عالم الإيمان، أن كل موجود منها بعد اختفائه وزواله من الوجود، يذهب وكما يرى النورسي إلى العدم والفناء ظاهراً، ولكن يبقى المعنى الذي استفاده وعبر عنه بوجوده، وتبقى أيضاً هويته وماهيته محفوظة، بمعنى أن الموجود يفقد وجوداً ظاهرياً صورياً، ويكسب مئات من الوجود المعنوي والعلمي.

ومثل لهذه الحقيقة بقوله:

" تعطى للحروف المطبعية ترتيباً معيناً ووضعاً خاصاً كي تطبع صحيفة معينة، فصورة تلك الصحيفة الواحدة وهويتها تعطى إلى صحائف مطبوعة متعددة، وتنشر معاني ما فيها من عقول كثيرة، وبعد ذلك تتبدل أوضاع تلك الحروف وتغير لانتفاء الحاجة إليها، وللحاجة إلى تنضيد صحائف أخرى بتلك الحروف".(2)

(1) الكلمات – النورسي ص 80

(2) المكتوبات – النورسي ص 379

رسائل عن النورسية · الصفحة ٤٧٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٤٧٩