تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأن ذلك الشقي المسكين ليعاني من الوحشة واليأس واليتم عذاباً وأي عذاب! بينما هذا السعيد يتلذذ في الأنس ويترفل في الأمل والشوق، ثم إِن ذلك المنكود يرى نفسه محكوماً عليه كالسجين بهجمات الحشرات المؤذية، بينما السعيد المحظوظ يتمتع متعة ضيف عزيز، وكيف لا وهو ضيف عند مضيف كريم، فيستأنس مع عجائب خدمه.

ثم إِن ذلك السيئ الحظ ليعجّل عذابه في النار بأكله من مأكولات لذيذة الطعم ظاهراً ومسمومة حقيقة ومعنى، إذ أن تلك الفواكه ما هي إلا نماذج قد أُذِنَ له تذوقها فحسب ليكون طالباً لحقائقها وأصولها، وشارياً لأصولها، وإلا فلا سماح للتناول منها بشراهة حيوانية، أما هذا السعيد المحمود فإنه يتذوق منها إذ يعي الأمر، مؤخراً أكلها وملتذاً بالانتظار.

ثم إن ذلك الشقي يكون قد ظلم نفسه بنفسه، جاراً عليها وضعاً مظلماً وأوهاماً ذات ظلمات حتى كأنه في جحيم، بانعدام بصيرته عن حقائق ساطعة كالنهار، وأوضاع جميلة باهرة، فلا هو مستحق للشفقة ولا له حق الشكوى، مثله في هذا مثل رجل وسط أحبائه في موسم الصيف، وفي حديقة بهيجة في وليمة طيبة للأفراح، فلعدم قناعته بها راح يرتشف كؤوس الخمر، حتى أصبح سكيراً ثملاً، فشرع بالصراخ والعويل، وبدأ بالبكاء ظاناً نفسه أنه في قلب الشتاء القارس، وأنه جائع وعار وسط وحوش مفترسة، فمثلما أن هذا الرجل لا يستحق الشفقة والرأفة، إذ ظلم نفسه بنفسه متوهماً أصدقاءه وحوشاً، محتقراً لهم.. فكذلك هذا المشؤوم".(1)

أما تفسير النورسي للحكاية التمثيلية الرمزية فجاء مفصلاً لوقائعها وذلك على النحو التالي:

(1) الكلمات – النورسي ص 34،35

رسائل عن النورسية · الصفحة ٤٧٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٤٧٠