تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما كان الإنسان – بمقتضى إنسانيته – يتألم بألم الآخرين، فلا يستطيع أن يتحمل ما يراه في هذا الطريق من ألم غير محدود، إذ الوجدان لا يطيق ألماً إلى هذا الحد، لذا يضطر سالك هذا الطريق إلى أحد أمرين:

إما أن يتجرد من إنسانيته ويحمل قلباً قاسياً غارقاً في منتهى الوحشة لا يتألم بهلاك الجميع طالما هو سالم.

أو يبطل ما يقتضيه القلب والعقل".(1)

فعلى امتداد ذلك الطريق يرى السالك مختلف مظاهر الظلم والفساد، من أذى يلحق بالناس في نفوسهم، واغتصاب وتدمير لممتلكاتهم، إلى غيرها مما يبعث الأسى والحزن في القلوب، ولا يجد الإنسان في هذا الجو العام من الغم والكآبة مفراً من اتخاذ موقفين:

أحدهما ألا يشارك الناس، فيتجاهلهم وكأنهم ليسوا بشراً مثله. يألم كما يألمون، ويفرح كما يفرحون.

وثانيهما: أن يتخذ موقفاً إيجابياً فيعمل على رفع الظلم عنهم، وإيقاف الظالمين عند حدهم.

واستناداً على تلك الصورة التمثيلية خاطب النورسي تلك الحضارة قائلاً:

" فيا أوربا التي نأت عن النصرانية وابتعدت عنها، وانغمست في السفاهة والضلالة. لقد أهديت بدهائك الأعور كالدجال لروح البشر حالة جهنمية، ثم أدركت أن هذه الحالة داء عضال لا دواء له، إذ يهوى بالإنسان من ذروة أعلى عليين إلى درك أسفل سافلين، وإلى أدنى درجات الحيوان وحضيضها، ولا علاج لك أمام هذا الداء الوبيل إلا ملاهيك الجذابة التي تدفع إلى إبطال الحس وتخدير الشعور مؤقتاً، وكمالياتك المزخرفة، وأهواؤك المنومة، فتعساً لك ولدوائك الذي يكون هو القاضي عليك، نعم أن ما فتحتيه أمام البشرية من طريق، يشبه هذا المثال المذكور".(2)

(1) اللمعات – النورسي ص 178

(2) اللمعات – النورسي ص 178

رسائل عن النورسية · الصفحة ٤٥٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٤٥٩