تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والثانية، حينما أتوجه إلى بابه وأتضرع إليه. ينعم عليّ سبحانه بشخصية خاصة في أوقات العبادة، بحيث إن تلك الشخصية تولد أثاراً ناشئة من أساس معنى العبودية، وذلك الأساس هو معرفة الإنسان تقصيره أمام اللّه، وإدراك فقره نحوه، وعجزه أمامه، والالتجاء إليه بذل وخشوع، فأرى نفسي بتلك الشخصية أشقى وأعجز وأفقر وأكثر تقصيراً أمام اللّه من أي أحد كان من الناس. فلو اجتمعت الدنيا في مدحي والثناء عليّ لا تستطيع أن تقنعني بأنني صالح وفاضل.

والثالث: هي شخصيتي الحقيقية، أي شخصيتي الممسوخة من سعيد القديم، وهي عروق ظلت في ميراث سعيد القديم، فتبدو فيّ أحياناً رغبة في الرياء وحب الجاه، وتبدو فيّ أخلاق وضيعة مع خسة في الاقتصاد، حيث إنني لست سليل عائلة ذات حسب".(1)

فالنورسي إذن يظهر لمحبيه بثلاث شخصيات، وذلك من خلال ثلاثة مواقف:

أولها: كونه خادماً للقرآن ومفسراً له، وذلك يتطلب منه بالضرورة إظهار أخلاق القرآن الرفيعة وصفاته السامية.

وثانيها: قيامه بعبادة اللّه واستغراقه في ذكره، فيهب اللّه له وقت العبادة والذكر شخصية يظهر فيها ذلك العبد العاجز المسكين، المقصر في حقوق نفسه وحقوق ربه، وهي الشخصية التي لا يرى في نفسه فضلاً ولا صلاحاً.

وثالثها: وهي شخصيته الجديدة المنتقلة إليه من شخصية سعيد القديم، ولأجل ذلك فهي ليست ثابتة في أخلاقها، بل متقلبة، فتارة تتقرب من الدنيا، وتارة تبتعد عنها فتظهر شخصية سعيد الجديد خادم القرآن والعامل لأخراه.

التعارف والتعاون

يرى النورسي أن الآية الكريمة:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ﴾ (2)

وضعت قاعدة جليلة للتعارف والتعاون بين المسلمين، وشبَّه ذلك بتعارف الجند وتعاونهم في الجيش الواحد، فقال:

(1) المكتوبات – النورسي ص 411

(2) الحجر/ 23

رسائل عن النورسية · الصفحة ٤٣٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٤٣٢