لاحظ العديد ممن يتولون خدمة النورسي سواء في أماكن إقامته الجبرية أو أثناء فترات سجنه الطويلة، سلوكه اللافت للنظر في أخلاقياته. وفي مسلكه تجاههم، فوجه إليهم مكتوباً خاصاً لإزالة حيرتهم وللكشف عن الغموض في شخصيته، وأيضاً للتعديل من حسن الظن المفرط الذي يحمله له البعض منهم، جاء فيه.
" إن الإنسان قد يحمل شخصيات عدة، وتلك الشخصيات ذات أخلاق متمايزة متباينة، فمثلاً:
إن الموظف الكبير له شخصية خاصة به أثناء اشغاله مهمته من موقعه الرفيع ومقام وظيفته، هذا المقام يتطلب وقاراً وأطواراً ليصون كرامة موقعه وعزة مقام المسؤولية، فإظهار التواضع لكل زائر فيه تذلل وتهوين من شأن المقام.
ولكن هذا الشخص نفسه يملك شخصية أخرى خاصة به في بيته وبين أهله، وذلك يتطلب منه أخلاقاً مباينة لما في الوظيفة، بحيث كلما تواضع أكثر كان أفضل وأجمل، في الوقت الذي إذا أبدى شيئاً من الوقار يعد ذلك تكبراً منه.
أي أن هناك شخصية خاصة بالإنسان باعتبار وظيفته، هذه الشخصية تخالف شخصيته الحقيقية في نقاط كثيرة، فإن كان ذلك الموظف أهلاً لوظيفته وكفؤاً لها، ويملك استعداداً كاملاً لإدارة عمله، فإن كلتا الشخصيتين متقاربتان بعضهما من بعض، بينما لو لم يكن أهلاً لوظيفته وفقيراً في قابلياته كأن يكون جندياً نصب في مقام مشير، فالشخصيتان تتباعدان بعضهما عن بعض، إذ صفات الجندي الاعتيادية وأحاسيسه البسيطة لا تنسجم مع ما يقتضيه مقام المشير من أخلاق رفيعة".(1)
والمراد أن شخصية المرء تتبدل وتختلف تبعاً للدور المنوط به أداءه في المجتمع، إذ كل دور أو وظيفة تتطلب مسلكاً معيناً وأخلاقاً خاصة، بها ينسجم مع محيطه الاجتماعي، ويستطيع من خلالها القيام بدوره كاملاً.
(1) المكتوبات – النورسي ص 411،410