- ولكن أيها الأخ إن هذه السفينة السلطانية الأمينة التي تأوينا وتجري بنا هي أقوى واصلب عوداً منا جميعاً، وبإمكانها الحفاظ علينا وعلى أمتعتنا أكثر من أنفسنا، فربما يغمى عليك فتهوى بنفسك وأمتعتك في البحر، فضلاً عن إنك تفقد قوتك رويداً رويداً، فكاهلك الهزيل هذا، وهامتك الخرقاء هذه لن يسعهما بعد حمل هذه الأعباء التي تتزايد، وإذا رآك ربان السفينة على هذه الحالة فسيظنك مصاباً بمس من الجنون، وفاقداً للوعي، فيطردك ويقذف بك خارجاً، أو يأمر بإلقاء القبض عليك ويودعك السجن، قائلاً:
إن هذا خائن يتهم سفينتنا ويستهزئ بنا.
وستصبح أضحوكة الناس، لأنك بإظهارك التكبر الذي يخفى ضعفاً وبغرورك الذي يحمل عجزاً، وبتصنعك الذي يبطن رياء وذلة، قد جعلت من نفسك أضحوكة ومهزلة، ألا ترى أن الكل باتوا يضحكون منك ويستصغرونك.
وبعد ما سمع كل هذا الكلام عاد ذلك المسكين إلى صوابه فوضع حمله على أرض السفينة وجلس عليه وقال:
الحمد للّه، ليرض اللّه عنك كل الرضا، فلقد أنقذتني من التعب والهوان ومن السجن والسخرية".(1)
فالرجل الأول بمجرد جلوسه على السفينة تخلص مما كان يثقل كاهله من أحمال. فوضعها جانباً. في حين أن الثاني وخشية منه على فقدانها من جهة، واستناداً على تمتعه بطاقة هائلة على الحمل، أبقاها على ظهره.
وأشفق عليه كل مَنْ رآه، ورثوا لحالته الباعثة على السخرية والاستهزاء، والدالة على نقيض ما حاول أن يظهر به، ثم لفتوا نظره إلى ثلاثة أمور فاتت عليه:
أولها: أن القوة التي يعتمد عليها قابلة للنفاد تدريجياً مع مضى الزمن، وضغط الحمولة الزائدة عليه
وثانيها: مقدرة السفينة على المحافظة على من فيها من الركاب وأمتعتهم.
وثالثها: ربما فسر قائد السفينة تصرفه هذا على أنه ضرب من الجنون لا يصح ترك صاحبه طليقاً بين الركاب، فيأمر بإبعاده أو حبسه.
(1) الكلمات- النورسي ص 353