تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" يحكى أنه قيل للنعامة (إبل الطير) لماذا لا تطيرين، فإنك تملكين الجناح، فقبضت وطوت جناحيها قائلة: أنا لست بطائر بل إبل، فأدخلت رأسها في الرمل تاركة جسدها الضخم للصياد، فاستهدفها. ثم قالوا لها: فاحملي لنا إذن هذا الحمل إن كنت إبلاً كما تدعين، فعندها صفت جناحيها ونشرتهما قائلة: أنا طائر، لتفلت من تعب الحمل، فظلت وحيدة دون غذاء ولا حماية من أحد، وهدفاً للصيادين".(1)

فالنعامة في إنكار كونها طائراً لئلا تعامَل معاملة الطيور، وفي عدم اعترافها بكونها حيواناً حتى لا تجبر على حمل ما تحمله الحيوانات، إنما تغش نفسها غشاً مكشوفاً لا ينطلي على أحد، ولا يبعد عنها الصيادين، ولا يجنبها أذاهم، والكافر حاله حال النعامة، فهو كما يقول عنه النورسي:

" حينما يرى الموت والزوال عدماً، يحاول أن ينقذ نفسه من تلك الآلام بالتمسك والتشبث بما أخبر به القرآن الكريم والكتب السماوية جميعها إِخباراً قاطعاً عن الإيمان بالآخرة، والذي ولد عنده احتمالاً للحياة بعد الموت.

وإذا قيل له: فما دام المصير إلى عالم البقاء، فلمَ إذن لا تؤدي الواجبات التي يفرضها عليك هذا الإيمان كي تسعد في ذلك العالم.

يجيب من زاوية كفره المشكوك، ربما ليس هناك عالم آخر، فلمَ إذن أرهق نفسي؟ بمعنى أنه ينقذ نفسه من آلام الإعدام الأبدي من الموت بما وعد القرآن بالحياة الباقية، فعندما تواجهه مشقة التكاليف الدينية يتراجع وبتشبث باحتمالات كفره المشكوك، ويتخلص من تلك التكاليف.

أي أن الكافر - من هذه الزاوية- يظن أنه يتمتع أكثر من المؤمن في حياته الدنيا، لأنه يفلت من عناء التكاليف الدينية باحتمالات كفره، وفي الوقت نفسه لا يدخل تحت قساوة الآلام الأبدية باحتماله الإيماني.

ولكن هذا في واقع الحال مغالطة شيطانية مؤقتة تافهة بلا فائدة".(2)

(1) اللمعات- النورسي ص 122،121

(2) اللمعات- النورسي ص 122

رسائل عن النورسية · الصفحة ٣٨٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٣٨٥