فالرجل الأول هداه تفكيره الطويل ونظره المتمعن في هيكل الطائر وجماله الفريد على الوقوع في حبه، ولكن جمال الطائر لا ثبات له، فهو عرضة للتبدل والتغيير بصفة مستمرة ودائمة، فبدلاً من توجيه الحب إلى خالقه وصانعه، نراه يتحول إلى اعتقاد غريب، وهو اتحاد الصانع بصنعته، وظهوره في كل ما على الطائر من جمال وألوان ودقة في الصنعة
أما الرجل الثاني فاتجه مباشرة من جمال الطائر ودقة صنعته وكمال خلقه، إلى الاعتقاد بعلم وقدرة وإرادة واختيار وحكمة متجلية وظاهرة عليه، أي الاعتراف بوجود خالق وصانع له، منفك عنه ذاتاً ووجوداً.
فالرجل الأول يمثل أصحاب وحدة الوجود الذين اضطرتهم محبتهم الشديدة للجمال الزائل إلى الاعتقاد بان كل شيء هو اللّه، أو لا شيء موجود، أو أن الوجود خيال، إلى غيرها من المعاني التي تهدف إلى إدامة تلك المحبة إلى مالا نهاية. فقال النورسي معلقاً على حالتهم تلك:
" إن صفة العشق لا تريد الفراق أصلاً، وتفر منه بشدة، وترتعد فرائص العاشق من الافتراق، ويرهب من التنائي رهبته من جهنم، وينفر من الزوال نفرة شديدة، ويحب الوصال حبه لروحه ونفسه، ويرغب بشوق لا حد له – كشوقه للجنة – للقرب الإلهي، لذا يرى أن التشبت بتجلي الأقربية الإلهية في كل شيء يجعل الفراق والتنائي كأنهما معدومان، فيظن اللقاء والوصال دائمين بقوله: لا موجود إلا هو".(1)
يعني أن طبيعة المحبة القوية والولع الشديد بالمخلوقات لا تفترض عندهم الانفصال بين المحبة والمحبوب، بل تشكل فكرة الانفصال في حد ذاتها كارثة يتزلزل لها كيان المحب، وبما أن الانفصال أمر محتم وقضاء لازم فيلجأ مكرهاً إلى وجود فكرة وجود اللّه في كل شيء، كي يقضى بها أو من خلالها على فكرة الفراق. فيتوهم نوعاً من دوام واستمرارية الحب بقوله: لا موجود إلا هو.
أما الرجل الثاني فيمثل أهل السنة الذين يقولون:
(1) اللمعات – النورسي ص 61