تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولم يجد الرجل من وسيلة تخلصه من حالته تلك إلا باللجوء إلى السكر ليضطرب عقله ويفقد إدراكه، فلا يعي بمن حوله، تحرراً من الآلام، وهروباً مما يكابده من مخاوف، وبهذا يكون قد يئس من كل خير، وانقطع أمله وخاب رجاؤه من كل إصلاح، وانصرف بكليته لتدمير نفسه تدميراً بطيئاً.

أما ما حدث للرجل الثاني عند بلوغه مقصده، فيرويه النورسي بقوله:

" أما الآخر الرجل الرباني العابد للّه، والباحث عن الحق، فقد كان ذا أخلاق حسنة، بحيث لقي في رحلته مملكة طيبة هي في نظره في منتهى الروعة والجمال.

فهذا الرجل الصالح يرى في المملكة التي دخلها احتفالات رائعة ومهرجانات بارعة قائمة على قدم وساق، وفي كل طرف سروراً، وفي كل زاوية حبوراً، وفي كل مكان محاريب ذكر، حتى لقد صار يرى كل فرد من أفراد هذه المملكة صديقاً صدوقاً وقريباً حبيباً له، ثم يرى أن المملكة كلها تعلن – في حفل التسريح العام – هتافات الفرح بصيحة مصحوبة بكلمات الشكر والثناء، ويسمع فيها أيضاً أصوات الجوقة الموسيقية وهي تقدم ألحانها الحماسية مقترنة بالتكبيرات العالية والتهليلات الحارة بسعادة واعتزاز سَوقاً إلى الخدمة والجندية".(1)

فالرجل الثاني مخالف للأول في مسلكه، وعلى النقيض منه في نظرته للأشياء، فهو ينظر إليها بنسبتها الاستنادية للّه تعالى، فيرى أن الغالب عليها هو الحسن والجمال والسعادة والأفراح والمسرات، وما يظهر فيها بين الفينة والأخرى من قبح وشر وشقاء وأحزان، هي أعراض طارئة ونسبية، ووجودها على ما فيه من فساد، وما تلحقه من أضرار افضل من عدمها.

(1) الكلمات – النورسي ص 10،9

رسائل عن النورسية · الصفحة ٣٦٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٣٦٩