" نواة للتمر وضعت تحت التراب فانفلقت عن نخلة مثمرة باسقة وهي في توسع ونمو مطرد، أو بيضة للطاووس فقست عن فرخ الطاووس بعدما سلطت عليه الحرارة، وكلما نما وكبر أصبح أجمل وأزهى بما زين قلم القدرة على كل جهاته من نقوش بديعة رائعة.
فهناك صفات وحالات خاصة تعود لكل من تلك النواة ولتلك البيضة، ويحوي كل منها مواد دقيقة لطيفة جداً، والنخلة والطاووس كذلك لهما صفات عالية، وكيفيات وأوضاع راقية بالنسبة لصفات البذرة والبيضة، فعندما تربط أوصاف النواة والبيضة بأوصاف النخل والطير وتذكران معاً، يلزم أن يرفع العقل الإنساني بصره عن النواة إلى النخلة وينظر إليها، وان يتوجه من البيضة إلى الطاووس ويمعن فيه كي يقبل تلك الأوصاف التي يسمعها، وبخلافه ينساق إلى التكذيب حين يسمع أحدهم يقول:
لقد أخذت طناً من التمر من حفنة من النوى، أو هذه البيضة هي سلطان الطير".(1)
فالظاهر من نواة التمر المدفونة في الأرض، أو بيضة الطاووس المعرضة للحرارة، أن كل منهما تأخذ طريقها إلى الوجود بالطرق الاعتيادية للازدهار والنمو، أما في باطن كل منهما فهناك الكثير من الأحوال والصفات والحقائق مالا يسلم به العقل، ولكن إذا انتقل المرء من النواة إلى النخلة ومن البيضة إلى الطاووس، وتأمل فيهما جيداً، عندئذ يصدق بها، وإلا سيجر جراً إلى التكذيب والإنكار عند سماعه من يدعي بأنه تناول الكثير من التمر الناضج من حفنة قليلة من نواة، أو أن بيضة الطاووس هي سلطان الطير.
وقياساً على ما سبق ذكره خلص النورسي إلى القول:
" وهكذا فإن بشرية الرسول الأكرم صلى اللّه عليه وسلم تشبه تلك النواة أو البيضة في المثال، وماهيته المشعة بمهمة الرسالة مثلها كمثل شجرة طوبى الجنة، وطير الجنة في سمو ورقى".(2)
(1) المكتوبات- النورسي ص 124
(2) المكتوبات- النورسي ص 124