"وهكذا تختل موازنة الحقائق، ويضمحل التناسق أيضاً ويتبدل لون كثير من الحقائق، إذ يضطر من يرى اللون الحقيقي للحقيقة إلى تأويلات وتكلفات، حتى قد يتجرأ بعضهم إلى الإنكار والتعطيل، فمن يتأمل في كتب حكماء الإشراقيين، وكتب المتصوفة الذين اعتمدوا على مشهوداتهم وكشفياتهم، دون أن يزنوها بموازين السنة المطهرة يصدق حكمنا دون تردد".(1)
إذن فالنظرة القاصرة لحقائق القرآن، هي على الدوام نظرة غامضة وغير واضحة، فيضطر صاحبها إلى بذل الجهد في تفسيرها تفسيراً لا يحتمله معناها، ولا ينسجم مع طبيعتها المتميزة، مما قد يدفعه ودون وعي منه إلى رفض الحقيقة أو إلباسها ثوباً مناقضاً لها.
وختم النورسي حديثه ليقرر هذه الحقيقة البديهية.
" إذا فعلى الرغم من أنهم يسترشدون بالقرآن، ويؤلفون في جنس حقائق القرآن، إلا أن النقص يلازم آثارهم، لأنها ليست قراناً".(2)
يعني أن الضعف وعدم الكمال سيظل جزءاً لا يتجزأ في أي مكتوب من تلك المكتوبات، حتى ولو اهتدى بهدى القرآن، ويعود ذلك إلى أنها شيء، والقرآن شيء آخر.
حقائق القرآن
ظلت حقائق القرآن على الرغم من مرور الزمان والتحولات الهائلة في العالم، معيناً لا ينضب للبشرية، فإذا تجرأ أحد ونظم – كما يقول النورسي – قسماً من تلك الحقائق حسب أهوائه وجهله، ثم أراد أن يوازن بينها وبين كلامه وكلام القرآن، بهدف الاعتراض على بعض آياته وقال:
لقد قلت كلاماً شبيهاً بالقرآن.
فمن الطبيعي أن قوله ذلك هو من السخف والحماقة ما يشبه هذا المثال:
" إن بناء شيد قصراً فخماً أحجاره من جواهر مختلفة ووضع تلك الأحجار في أوضاع وزينها بزينة ونقوش موزونة تتعلق بجميع نقوش القصر الرفيعة.
(1) الكلمات- النورسي ص 513
(2) الكلمات- النورسي ص 513