ومقصوده أن الأحجار لو لم تكن مطيعة منقادة بيسر وسهولة للباني، لاتخذت وضعاً غريباً وشاذا، بحيث يجعل منها تارة حاكمة وأخرى محكومة، وكذلك الحال في الذرات على فرض استقلالها عن اللّه في الحركة والتنقل، وهي كما يؤكد النورسي:
" أكثر إبداعاً، وأكثر إتقاناً، واكثر روعة، وأكثر إثارة للإعجاب، وأكثر حكمة من قبة آيا صوفيا بآلاف المرات".(1)
يعني أن الذرة في أصل تكوينها وَمَنْشَئِهَا بلغت الكمال المطلق الذي لا مجال فيه للمقارنة بينها وبين الصنعة البشرية، وبالتالي:
" إن لم تكن هذه الذرات منقادة لأمر الخالق العظيم، خالق الكون فينبغي إذن أن تعطى لكل منها أوصاف الكمال التي لا تليق إلا باللّه".(2)
يعني لو فرض أن الذرة ليست خاضعة للّه في حركتها، بل لها حركة ذاتية مستقلة تماماً عن اللّه تعالى، فعندئذ تستأهل كل واحدة منها عن جدارة واستحقاق ما للخالق من صفات الكمال والجمال، وأسماء الجلال والعظمة والاقتدار.
- تمت - تمت
الفصل الثاني
القرآن
إعجاز القرآن
إن الضعف الشديد الذي يواجهه قارئ القرآن، وعدم قدرته على مجاراته أو تقليده، يشعره كما لو كان عاجزاً لا يملك إزاءه قوة ولا مقدرة. ومن هنا اختلف الإسلاميون في بيان أوجه إعجازه على مذهبين:
الأول يرى أصحابه أن إعجاز القرآن يتمثل في ارتقائه في البلاغة حداً يفوق طاقة البشر ويعجزهم عن معارضته، أو بمعنى أدق أن معارضته ممكنة، ولكن اللّه تعالى صرفهم أو منعهم من الإتيان بمثله، ولو لم يمنعهم لأمكنهم مجاراته ومقابلته بما عندهم من مقدرة بيانية، إن لم يكن في إعجازه، فعلى الأقل في بلاغته، ليبقى القرآن في كل الأحوال معجزة للرسول صلى اللّه عليه وسلم. ومثل النورسي لذلك المذهب بقوله:
(1) الكلمات ، النورسي، ص 660
(2) الكلمات ، ص660