ساق النورسي وكما رأينا أمثلة مشهدية للطلاب منها ما يدرسونه في كتبهم، ومنها ما يعرفونه بخبرتهم اليومية، ثم ضخّم صورتها في أذهانهم وعظّمها أمام أنظارهم في صور وأشكال خارقة للعوائد، ومخالفة للمعهود لديهم، ولكنها مألوفة لديهم، ولا تنبو عنها مداركهم العقلية، ليصل من خلالها إلى أن وجود صانع ومبدع يقف وراءها من المعارف الضرورية، وتقف هي مع هذا وذاك معرفة به، ودالة على علمه الواسع المحيط، ومقدرته العجيبة على الصنع والإيجاد.
وقياساً على ذلك فإن الأرض التي تحتوي على الألوف المؤلفة من الآيات المعجزة، والكائنات الخارقة في خلقها وتكوينها ودقة صنعها للعوائد، تقف هي الأخرى شاهدة على اللّه تعالى، ومعرفة بخالقها، ودالة عليه، وتشير إلى أسمائه وصفاته الجليلة إشارة تصل إلى حد اليقين.
خلق الله
ظلت فكرة خلق الأشياء وإبداعها على غير مثال سابق، وإخراجها من العدم إلى الوجود، غير مسبوقة بمادة ولا زمان، من أكثر الأفكار التي كانت محل جدال وخلاف طويل بين الفلاسفة والمفكرين، أفضى في النهاية إلى حيرتهم وترددهم في الإقرار أو الاعتراف بخالق لها، فأحالوها إلى محض الصدفة، أو إلى الأسباب أسباب ومسببات، متصلة الحلقات بلا توقف أو انقطاع.
وحلاً للمشكلة أو تجاوزاً لها، فرض النورسي الفرضية البسيطة التالية:
"إذا أسند إيجاد الموجودات كلها إلى صانع واحد، يكون الأمر سهلاً هيناً بسهولة إيجاد موجود واحد، وإن أسند إلى الأسباب الكثيرة والطبيعة، فإن خلق ذبابة واحدة يكون صعباً كخلق السماوات، ويكون خلق الزهرة عسيراً بقدر خلق الربيع، وكذا الثمرة بقدر البستان".(1)
يعنى أن مدار الخلق كله على نسبة المخلوق إلى واحد أو أكثر، فعند الواحد نجد الفعل دائماً سهلاً وهيناً ويسيراً، وعند الكثرة نجابه بالصعوبة والعسر، بل الاستحالة وعدم الوجوب في الأحوال كلها.
(1) المكتوبات ، النورسي، ص 330.