"إن جعل الشيء الواحد كل شيء بسهولة مطلقة وانتظام كامل، وجعل كل شيء شيئاً واحداً بميزان دقيق وانتظام رائع وبمهارة وإبداع، ليس إلا علامة واضحة وآية بينة لخالق كل شيء وصانعه"(1)
وبما أن العبارة على ما هي عليه في منتهى التجريد، وعميقة المعنى، وعصية على الفهم، وتحتاج ككل المعاني المجردة إلى ما يقربها من الذهن في صور وأشكال محسوسة ومشخصة، فقد مثل لها النورسي قائلاً:
"فلو رأيت – مثلاً – أن واحداً يملك أعمالاً خارقة: ينسج من وزن درهم من القطن مائة طول من الصوف الخالص، وأطوالاً من الحرير، وأنواعاً من الأقمشة، ورأيت أنه يخرج علاوة على ذلك من ذلك القطن حلويات لذيذة، وأطعمة متنوعة كثيرة، ثم رأيت أنه يأخذ في قبضته الحديد والحجر والعسل والدهن والماء والتراب، فيصنع منها الذهب الخالص، فستحكم حتماً أنه يملك مهارة معجزة تخصه وقدرة مهيمنة على التصرف في الموجودات، بحيث إن جميع عناصر الأرض مسخرة بأمره، وجميع ما يتولد من التراب منفذ لحكمه".(2)
فكل من تصدر عنه المعجزات الخارقة للعوائد، والتي لا يسلم بها العقل، وتستصعبها النفوس، هو من غير شك من يضع بين يديه كل مقومات الخلق والإيجاد، وكل ما في الكون تحت إرادته وطوع مشيئته.
وهكذا – وللّه المثل الأعلى – يخلق اللّه تعالى. كما يقول النورسي:
"فمن ماء النطفة، بل من ماء الشرب يخلق ما لا يعد من أجهزة الحيوان وأعضائه. فهذا العمل لا شك أنه خاص بقدير مطلق القدرة، ثم إن تحويل الأطعمة المتنوعة – سواء الحيوانية منها أو النباتية – إلى جسم خاص بنظام دقيق، ونسج جلد خاص للكائن، وأجهزة معينة من تلك المواد المتعددة، لا شك أنه من عمل قدير على كل شيء وعليم مطلق العلم".(3)
كما أن قدرة اللّه تعالى تتجلى من ناحية أخرى في علاقات الكائنات بعضها ببعض، فعلى سبيل المثال، فإن الذرة هي:
(1) نفس المصدر.
(2) الكلمات – النورسي ، ص 329.
(3) نفس المصدر.