تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أولهما: عرفاني، وهو ظهوره تعالى باسم الأحد الذي لا شبيه له ولا نظير، ويستحيل عليه الانقسام في ذاته، ولا تعتريه صفات الحوادث كالتغير والتحلل والحلول والمشاركة والاحتياج إلى الأغيار.

وثانيهما: عملي، وهو ظهوره الذاتي الأحدي المحض في كل مخلوقاته، وكل فرد من مخلوقاته صغر أم كبر هو مظهر لأحديته، ومظهره ذلك أتم وأكمل.

ومثال تلك الأحدية:

"إن ضوء الشمس الذي لا قيد له إلى حد ما، يدخل في كل شيء لماع، حيث إنها نورانية، فلو واجهتها ألوف بل ملايين المرايا، فإن صورتها النورانية المثالية تدخل في كل مرآة دون انقسام كما هي في مرآة واحدة، فلو كانت المرآة ذات قابلية، فإن الشمس بعظمتها يمكن أن تظهر فيها آثارها، فلا يمنع شيء شيئاً، إذ يدخل مثال الشمس في المرآة الواحدة كما في الألوف منها بسهولة تامة، وهي توجد في كل مكان واحد بسهولة وجودها في ألوف الأماكن، وتكون كل مرآة وكل مكان مظهراً لجلوة تلك الشمس كما هي لألوف الأماكن".(1)

تنفذ أشعة الشمس وكما هو معروف عنها وتتغلغل في كل شيء، بحيث إن كل شيء يعتبر مظهراً للشمس، وأجلى ظهور لها يتبدى دائماً فيما هو مضيء ومنور كالمرآة مثلاً التي تظهر الشمس بسهولة مطلقة، فتكون كالمظهر لها، هذا مع كبر الشمس وضخامتها، وصغر المرآة وضآلة حجمها وبعدها عنها.

وهكذا تتجلى أحدية اللّه في الوجود، فيقول عنها النورسي:

"إن لصانع هذا الكون ذي الجلال تجلياً بسر توجه الأحدية، بجميع صفاته الجليلة التي هي أنوار، وبجميع أسمائه الحسنى التي هي نورانية، فيكون حاضراً ناظراً في كل مكان، ولا يحده مكان، ولا انقسام في توجهه سبحانه، يفعل ما يريد فيما يشاء في كل مكان، في آن واحد ومن دون تكلف ولا معالجة ولا مزاحمة".(2)

فأحدية اللّه إذن كنور الشمس ظاهر على الوجود، والوجود مظهر لها، وعلى مستويين من مستويات الظهور والتجلي:

(1) المكتوبات – النورسي ، ص 322.

(2) نفس المصدر السابق.

رسائل عن النورسية · الصفحة ٢٨٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٢٨٣