تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكذلك يرفض الاعتماد على المعرفة الإشرافية التي تعتمد على رياضات وتجارب فردية، قد تختلط فيها الإلهامات الرحمانية مع النفثات الشيطانية، ولا نستطيع أن نفرق بين الاثنين، لأنها ابتعدت عن تلمذة القرآن الكريم واتباع القدوة العظمى في الوجود محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم -، الذي سدّ الله تعالى بمجيئه كل باب، دون بابه الرباني النوراني المقبول.

إذن كيف ينطلق النورسي معرفيا إلى فهم قضايا الوجود؟

انه ينطلق من "الكل الشمولي" للقرآن الكريم في مخاطبة الفطرة الإنسانية. انه لا يضع بين الحس والعقل والحدس خطوطا فاصلة، وإنما يدمجها في وحدة قرآنية للسير إلى الله سبحانه تعالى، والتغلغل في فهم الجزئيات الدقيقة في المعرفة الكونية، لأنه يتلو مع القرآن آيات الكائنات في مسجد الكون الكبير، وليس في أقبية النظريات المعرفية المادية المحصورة بالقياسات المنطقية والنظرات المادية والخيالات الروحية.

إنه يقف أمام قرآن الكون ليقرأه قراءة شاملة عميقة ليصل إلى الله تعالى من خلال تناسقه المعجز ونظامه الباهر وجماله الأخاذ وفنه العجيب وقانونه الموحد وحركته المتوازنة.

وحينئذ فقط، يعود الإنسان إلى حجمه الصغير، فيشعر بالفقر والتذلل والصغار والتضرع إلى خالق كل هذا وحده، ليكبر في حجمه تجاه المتكبرين والعالين في الأرض بغير الحق "لأن من كان ضيفا عند هذا الجواد الكريم جل وعلا، كيف يكون الفقر والحاجة إليه مؤلما وثقيلا" (1)

لكن قراءة الكون بشمولية ودقة وعمق يحتاج إلى ثمرات العلم، لأنه يكشف عن حقائق الوجود، ويفصل خريطة العالم، ويفرش أمام قوى الإنسان النظام الكامن في ملايين الجزئيات، ويبحث عن الخالق بلغته الخاصة. (2)

(1) - الكلمات : ص 29

(2) - الكلمات : ص 175

رسائل عن النورسية · الصفحة ٢٦٦١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٢٦٦١