تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد كان الزمن الإسلامي الجديد ينتظر بفارغ الصبر عقلية متحضرة واعية، ومتكلما منظراً، يمتلك علما إسلاميا غزيراً، وإدراكا إيمانيا عميقا لطبيعة الصراع بين منظومة الحضارة الإسلامية ومنظومة الحضارة الغربية في ظل مرحلة التأخر والسقوط الحضاري، والخواء الإيماني الذي كان يعيش فيه المسلمون يومئذ.

لقد شاءت إرادة الله أن يكون ذلك المتكلم المعبر عن زمانه هو الأستاذ بديع الزمان الذي:

أولاً: اكتشف تماما أن غزوا فكرياً مركزاً يشن على العقيدة الإسلامية، وإسقاط هيبتها وهيبة شريعتها ونظامها الأخلاقي في نفوس المسلمين، ابتداء من الدوائر الأجنبية وانتهاء بأجهزة الإعلام والثقافة والتربية التي كان يقودها الملاحدة والمنافقون والماسونيون وتلامذتهم وعملاؤهم ممن تشبعوا بالأفكار المادية الحديثة.

ثانياً: حاول إيجاد علم كلام قرآني يعتمد على الأدلة المتدرجة من المحسوس إلى المجرد، محققاً بتجربة واعية المطابقة الكاملة بين القرآن المقروء والقرآن المنظور والقرآن الناطق الذي هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي يعدّه ثمرة الكائنات التي لم تكن لتكمل إلا بمجيئه المبارك.

ومن هنا فانه لم يقتصر على موضوعات علم الكلام القديم وإنما تجاوز ذلك إلى بيان المذهبية(1) الشاملة في الوجود، بما فيها الإنسان والطبيعة، فغداً مخططه الكلامي الحديث مواجها تماماً لمخطط الغربي الأيديولوجي في اقتحام الموضوعات المذكورة من وجهة نظر الفلسفات المادية.

(1) - أستعمل المذهبية الإسلامية بمعنى " ما ذهب إليه الإسلام في أمور الكون وخالقه والحياة والمجتمع والإنسان، أي المنطلقات الكلية الثابتة بالوحي الإلهي القاطع".

رسائل عن النورسية · الصفحة ٢٦٥٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٢٦٥٤