"اعلم: أنَّ قلبي قد يبكي من خلال أنيناته العربية بكاءً تركياً، بتهييج المحيط الحزين، فاكتبُ كما بَكَيْتُ:
"لا أريد من كان زائلاً لا أريد
أنا فانٍ، مَنْ كان فانياً لا أريد، أنا عاجزٌ، من كان عاجزاً لا أريد
سلّمت روحي للرحمن، سواه لا أريد
بل أريد،
حبيباً باقياً أريد.
أنا ذرة شمساً سرمداً أريد.
أنا لا شيء ومن غير شيء، الموجودات كلها أريد.
* * *
لا تدعني إلى الدنيا، فقد جئتها ورأيت الفساد.
إذ لما حجبت الغفلة أنوار الحق،
رأيت الأشياء والدنيا أعداءً ضارين.
ذقت اللذائذ، ولكن وجدت الألم في زواله.
أما الوجود، فقد لبسته،
آه لا تسل كم عانيت من الألم في العدم.
إن قلت الحياة، فقد رأيتها عذاباً في عذاب.
نعم، لما استتر نور الحق عني،
إذا بالعقل يتحول عقاباً، ورأيت البقاء بلاء، والكمال هباء،
والعمر ذهب أدراج الرياح.
نعم!
بدونه، انقلبت العلوم أوهاماً.
وأصبحت الحكم اسقاماً، والانوار ظلمات، والأحياء أمواتاً،
والأشياء أعداء.
ولمست الضر في كل شيء.
والآمال انقلبت آلاماً.
والوجود هو العدم بعينه. وصار الوصال زوالاً.
والألم يعصرنى مما لا بقاء فيه.
نعم! إن لم تجد الله فالأشياء كلها تعاديك؛
أذى في أذى، بل هو عين الأذى.
وان وجدت الله،
فلن تجده إلاّ في ترك الأشياء.
فرأيت بذلك النور: الجنة في الدنيا،
وبدت الأموات أحياء.
ورأيت الأصوات أذكاراً و تسابيح.
والأشياء مؤنسة، واللذائذ في الآلام نفسها.
والحياة أصبحت مرآة تعكس أنوار الحق.
والبقاء رأيته في الفناء.
والذرات تلهج بالذكر.
يقطُر من ألسنتها وتتفجر من عيونها؛
شهدُ شهادة الحق" (1).
8 ـ موقع الإنسان بين الكونين
(1) المثنوي العربي النوري ص 289- 290