تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأدعيته وتضرعاته يمكن درجها ضِمْنَ ما كان يمليه على تلامذته من دروس الإيمان، بل هي اعظم دروسه الإيمانية، ولعنصر الضراعة فيها تعلو لتلامس سماء الرحمة الإلهية، ثمَّ تهبط لتلامس سماء القلب البشري أينما كان على هذه الأرض، لِتملأَ الأرواحَ بطاقات إيمانية يمكن أن تصبح مع الزمن خزيناً تأخذ منه الروح ما يساعدها على الثبات في أوقات الآلام والأزمات. وهو يستنطق القرآن ويصغي من خلال آياته إلى ضراعات الأنبياء والمرسلين، وجنس الإنسان عموماً، وذلك للمشاكلة والمجانسة ـ على الأقل ـ بين دوافع آلامه وآلامهم، فآلامه ليست بأقلَّ من سواها تبريحاً، فلجأ من الآم الدنيا وأوجاعها إلى ركن (حسبنا الله ونعم الوكيل)(آل عمران:173) . وها هو يقول في المرتبة النورية الحسبية الثانية من مجموعة "الشعاعات" ما يأتي:

"إنه مع عجزي غير المتناهي الكامن في فطرتي، ومع الشيخوخة المستقرة في كياني، ومع تلك الغربة التي لفّتني، ومع عدم وجود المعين لي، وقد جُردت من كل شئ هاجمني أرباب الدنيا بجواسيسهم وبدسائسهم.. في هذا الوقت بالذات خاطبت قلبي قائلاً:

إن جيوشاً كثيفة عارمة تهاجم شخصاً واحداً ضعيفاً مريضاً مكبّل اليدين.. أوَ ليس له - أي لي - من نقطة استناد؟..

فراجعت آية (حَسبُنا الله ونِعمَ الوَكيل) فأعلمتني:

إنك تستند بهوية الانتساب الإيماني إلى سلطان عظيم ذي قدرة مطلقة.."

ثم يمضي قائلاً:

"فما دمتَ قد ظفرتَ بنقطة استناد مثل هذه بهوية الانتساب الإيماني، يمكنك إذن الاستناد والاعتماد إلى قوة عظيمة وقدرة مطلقة. وحقاً لقد كنتُ أحسّ بقوة معنوية هائلة كلما كنت أتلقى ذلك الدرس من تلك الآية الكريمة، فكنت أشعر أنني أملك من الاقتدار الإيماني ما يمكّنني من أن أتحدّى بها جميع أعدائي في العالم وليس الماثلين أمامي وحدهم، لذا ردّدْتُ من أعماق روحي: (حَسبُنا الله ونِعمَ الوَكيل) "(1).

(1) الشعاعات ص 43-74

رسائل عن النورسية · الصفحة ٢٤٦٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٢٤٦٣