تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد أسهم "النورسي" إلى حد كبير في إحياء هذه السنةَّ الشريفة، وذلك بتوجهه كليةً إلى رحمه ربّه، وبزيادة تضرعاته إليه، ورجاء العون منه، والاستناد إليه في أموره كلها، فأسكرتْ أناشيدُ وَجْدِهِ الآذان، وسحرتْ القلوب، وغدا بحقٍّ غِرِّ يْدَ الناطقين بالقرآن، وَهَزَارَ المنشدين بآلاء الرحمن، فصارَ قدوةً لتلامذته فهم يفتتحون كل يوم جديد من أيام حياتهم بمنهج تضرعي إلى الله، ليُعِبئوا جهازهم الروحي بالطاقة اللاّزمة لتوليد القوى الإيمانية التي يحتاجونها وهم يمارسون أعمالهم اليومية، وعن سرّ من أسرار مناجاته يحدثنا أحد تلامذته قائلاً:

"كنتُ أذهبُ إلى غرفة الأستاذ منذ الصباح الباكر لأشعل مدفأته، ففي أحد الأيام والبرد شديد ذهبتُ إليه قبل الفجر بنحو ساعتين دون أن أدري، فرأيتهُ جالساً فوق سجّادته يتعبّد على ضوء شمعة صغيرة، كان يدعو بصوت رقيق حزين، ويرجو الله ويتضرع إليه، فوقفتُ أنتظره ساعةً ونصف الساعة دون أن أحسَّ بالتعب، وأنا أرتجف من البرد، متسمراً في مكاني ارقبُ هذا المنظر المهيب وأنا في غاية من التأثر والانفعال، وحانتْ منه التفاتة فرآني قائماً خلفه، فقال: أخي أمين: لقد أخطأتَ خطأً كبيراً أُقسمُ بالله بأنّ لي أوقاتاً بيني وبين الله تعالى لا أقبل أن يدخل فيها عليَّ أحد، لا إنس ولا جان ولا حتىّ ملك، فأنت مخطئ جداً، فلا تكرر هذا العمل مرةً ثانية، لا تأتِ مثل هذا الوقت المبكر بل انتظر حتى يبزغ الفجر.

فقلتُ: أرجو عفوك يا أستاذي فأنا المقصر، لقد كان ضوء القمر سبباً في خطأي فأتيت مبكراً، فلن آتيك بعد اليوم قبل الفجر.." (1).

3 ـ النورسي بين الرجاء والخوف

(1) ذكريات عن سعيد النورسي ـ ترجمة أسيد إحسان قاسم.

رسائل عن النورسية · الصفحة ٢٤٥٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٢٤٥٨