تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وَقَدْ رَأَيتُ تجليات هذا الجمال منعكساً على السلوك الإيماني العملي لقراء رسائل النور ولطلبتها، رأيتُه رأي العين، ولَمَسْتُهُ لمسَ اليد، حيثما تكررت زياراتي لهم في بيوتهم ومدارسهم ومكاتبهم، وأماكن أعمالهم، فإِذا واحدهم كأنَّه جَمَالٌ قُرْآنيٌّ مسكوبٌ في قالبٍ بشريٍّ، ومرآة صقيلة شفّافة تعكس من صور الذوق والخُلقُ والأدب ما يكاد يكون نادر الوجود في هذا العصر المجدب الكسيح، وليس هذا رأياً رأيْتُهُ أنا وحدي، بل هو رأي جمهرة من كبار الأساتذة والمربّين مِمَّنْ تهيأتْ لهم فرصُ رؤية "طلبة النور" على الطبيعة في أماكن وجودهم وتجمعاتهم، فأعربوا عن الرأيّ نَفْسِهِ.

الجمال والجلال..!

والجمال والجلال صنوان لا يفترقان، فكُلُّ جمالٍ هو جلالٌ في الوقت نفسه، وكُلُّ جلالٍ هو جمال في الزمن ذاته، ولو شئتَ لقَلتَ: إنَّ الجلال هو العظمة والكبرياء اللتان يحتجبُ وراءهما الجمال، وهو هالةٌ من المهابة والحشمة تحيط بالجمال فتحفظهُ وتَصُونَهُ من أنْ تطاله الأيادي الطامعة والعيون المسمومة, والإيمان بمسكوباته الجمالية والجلالية في الأرواح والقلوب هو الذي يصنع المؤمنين الذين يُشَكِّلون المعنى الجلالي الذي يحيط بالإيمان ويصونه مِمَّنْ يريد به الأذى، وينوي به الشرّ وقد قامت الحضارة الإسلامية في الماضي ولن تستأنف قيامها في المستقبل إلاّ على هذين العنصرين، الجمال والجلال، جمال في القلب والروح والفكر يَعْقُبُه جلالٌ مُجَسَّمٌ في رجولة الرجال، وفي عظمة البناء والإعمار.

وما أفْزَزَتْهُ هذه الحضارة من بطولات إنسانية في مختلف مناحي الحياة، وما تركته من هياكل البناء والمعمار في أرجاء العالم الإسلامي ينبئ عن ذلك ويشير إليه، وقد ظلَّ القرآن والسيف في الرايات المرفوفة فوق رؤوس الجموع رمزاً من رموز هذه الحضارة للجمال والجلال.

رسائل عن النورسية · الصفحة ٢٤٣٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٢٤٣٨