تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

".. وأما الآن فلتشتت الأفكار والقلوب، وانقسام العناية والهمة، وتحكم السياسة والفلسفة في الاذهان، لا يمكن لمن كان في ذكاء "سفيان بن عيينة" مثلا أن يحصل الاجتهاد إلا بعشرة امثال وقت ماحصل سفيان الاجتهاد فيه إذ ان سفيأن يبتدئ تحصيله الفطري من حيث التمييز، فيتهيأ استعداده كالكبريت للنار. وأما نظيره الآن، فبسر مأمر آنفاً يتباعد استعداده بدرجة تبحره في الفنون الحاضرة، ويتقاسى عن قبول الاجتهاد بدرجة تغلغله في العلوم الارضية.."19

ولامرئ أن يدرك من خلال ما أشار إليه الإمام تأثره وتألمه من انصراف كثير من الناس إلى إعطائهم اهتماماً اكبر للعلوم المعاصرة، وأهمالهم نوعا ما التبحر في العلوم الشرعية الموصلة إلى درجة الاجتهاد، وكل هذا مدعاة إلى الدعوة إلى سد باب الاجتهاد إمام أناس لم يستدلوا على دقائق العلوم الشرعية وإن كانوا قد شبعوا من الفنون الحاضرة والعلوم الارضية القائمة، فباب الاجتهاد لاينفتح الا لمن أشرف على النوعين من العلوم - الارضية، والشرعية - كما رزق الإمام نفسه بذلك المستوى في الأمرين.

وصفوة القول، يمكن تلخيص آثار الظروف على تأليف الإمام بحثه في الاجتهاد في:

أولا: الضعف الالتزامي العارم الذي تسرب إلى الدولة العثمانية في اخريات أيامها، والذي كاد أن يدفع ببعض أنصاف العلماء أن يحلوا للناس ما حرمه الله، وأن يحرموا ما احله تحت شعار الاجتهاد، ولم يكن من الفقه في شئ والحال كذلك فتح باب الاجتهاد ل أولئك الناس، بل يقتضي الاجتهاد نفسه الاجتهاد في سد بابه في وجوههم.

ثانياً:الضعف العلمي الذي دب في صفوف أدعياء الاجتهاد في عصر الإمام نتيجة التغلغل والتوغل في العلوم الارضية على حساب العلوم الشرعية، فظهر ضعف شديد ووهن عظيم في مستويات أولئك الدخلاء، الأمر الذي اوجب الاجتهاد في الدعوة إلى سد باب الاجتهاد في ذلك الزمان.

رسائل عن النورسية · الصفحة ٢٤٠٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٢٤٠٦