تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ونظراً لكثرة وظائفه الفطرية فقد انفرجت أجهزتُه وتوسّعت.. وبسبب فطرته البديعة المهيّأة لشتى أنواع العبادة فقد مُنح استعداداً جامعاً لبذور الكمال، لذا لا يمكن أن تُمنح له هذه الأجهزة الوفيرة إلى هذه الدرجة الكثيفة لتحصيل هذه الحياة الدنيوية المؤقتة الفانية فحسب، بل لابدّ أنّ الغايةَ القصوى لهذا الإنسان هي أن يفي بوظائفه المتطلّعة إلى مقاصدَ لا نهاية لها، وأن يعلن عجزَه وفقره بجنب الله تعالى بعبوديته، وأن يرى بنظره الواسع تسبيحات الموجودات، فيشهد على ذلك ويطّلع على ما تمدّه الرحمة الإلهية من إنعام وآلاء فيشكر الله عليها، وأن يعاين معجزات القدرة الربانية في هذه المصنوعات فيتفكر فيها ويتأمّل وينظر إليها نظر العبرة والإعجاب.(1)

تعلّق الإنسان بالمقاصد حين مباشرة العيش في الدنيا يسعفه في تجاوز الضغوط التي تعترض طريقه، فإذا اشتد خناق الأمراض وألوان الغربة وأنواع الظلم عليه، ووجد أنّ علاقاته تنفصم مع الدنيا، اكتشف أنّ مقصد الإيمان في مجمل مضامينه وتجلياته - وخاصة التوحيد والنبوة والحشر - يرشده بأنّه مرشّح لدنيا أخرى أبدية، وأنّه مؤهل لمملكة باقية وسعادة دائمة، ففي هذه الأثناء يترك كلّ شيء تقطر منه الحسرة ويجعله يتأوه ويتأفف، وأبدله بكلّ ما يبشّر بالخير والفرح ويجعله في حمدٍ دائم. ولكن أنّى لهذه الغاية أن تتحقق وهي غاية المنى ومبتغى الخيال وهدف الروح ونتيجة الفطرة، إنّه لا طريق لتحصيلها إلاّ بقدرة القدير المطلق الذي يعرف جميع حركات مخلوقاته وسكناتهم قولاً وفعلاً، بل يعرف جميع أحوالهم وأعمالهم ويسجّلها كذلك. وأنّى لها أن تحصل إلاّ بعنايته الفائقة غير المحدودة لهذا الإنسان الصغير الهزيل المتقلّب في العجز المطلق حتى كرّمه، واتخذه خليلاً مخاطباً، واهباً له المقام السامي بين مخلوقاته(2).

أهمية: أهمية المقاصد في تنبيه المخاطب

(1) - الكلمات 367

(2) - اللمعات 389

رسائل عن النورسية · الصفحة ٢٢٦٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٢٢٦٧