تؤكّد المصادر السابقة لمقاصد رسائل النور أنّ المنظور من آيات الله الكونية موافق كلّ الموافقة لآيات الله المسطورة، لهذا فالحديث عن المصدر الرابع متضمن فيما ذكرناه عن المصدرين السابقين (الكتاب والسنّة المطهّرة)، ذلك أنّ الواقع الكوني بشقيه (المتعلّق بعالم الأشياء، والمتعلّق بعالم الإنسان) شاهد أساسي في التأسيس للمقاصد المشار إليها، ذلك أنّها تمثّل مسرح النظر في الآفاق والأنفس، من هنا كان الواقع الكوني والبشري مسرح إثبات وتثبيت المقاصد من جهة ومصدرا يستأنس به المؤمن في تثبيت المقاصد وإثباتها من جهة أخرى، كما يمكن أن تكون مصدرا مستقلا لإثبات تلك المقاصد بالنسبة لغير المؤمن.
فكانت الآيات المسطورة تفتح العيون المعصوبة بالتدبّر والتأمّل في الآفاق والأنفس المألوفتين.(1)
يشهد لهذا أنّ أغلب السور المطولة والمتوسطة - التي كل منها كأنها قرآن على حدة – تفتح أمام الإنسان أبوابا للإيمان ولمعرفة الله ومراتب التوحيد يحقق بها إقرار مقاصد عديدة، حيث إنّ القرآن يقرأ ما هو مسطور في كتاب الكون الكبير ويبينه بوضوح، فيرسخ في أعماق المؤمن إحاطة ربوبيته سبحانه بكل شيء، ويريه تجلياتها المهيبة في الآفاق والأنفس، لذا فإنّ ما يبدو ظاهراً من مناسبة ضعيفة، يبنى عليها مقاصد كلية.(2)
يشير إلى تلك المعاني أنّ دلائل التوحيد مستمدة أساسا من النظر في الآفاق والأنفس، ذلك أنّ دلائل الوجود قسمان: آفاقي وأنفسي، والأنفسي على قول بديع الزمان نوعان نفسي وأصولي، وكلاهما يرتكز على النظر في الواقع الكوني والبشري، فقد أشار إلى النفسي الأقرب الأوضح بقوله تعالى: ﴿ الذي خلقكم ﴾ وإلى الأصولي المستفاد من النظر في الواقع البشري بقوله تعالى: ﴿ والذين من قبلكم ﴾ (3)
(1) - انظر صيقل الإسلام 63
(2) - انظر الشعاعات 310
(3) - انظر إشارات الإعجاز 157