يتطلّب هذا المسلك أن نحفر بالفكر الديني الإسلامي في جوف الأمة حوضاً للمعرفة والمحبّة - كحوض الكوثر – ونسدّ بالمعارف والعلوم ثغرات تحتها يسيل منها الماء، ونفتح بالفضيلة الإسلامية المسائل التي تصب الماء فيه. هناك نبع كبير ضائع أسيء استعماله إلى يومنا هذا فجرى في الأرض السبخة الرملية فما أدّى إلاّ إلى ترعرع متسوّلين عجزة.. فشيّدوا مجرىً جميلاً له وصُبوا الماء بالمساعي الشرعية إلى ذلك الحوض ثم سقوا بستان كمالاتكم به، فهذا نبعٌ لا ينضب ولا ينفد أبداً"(1).
يفرض تبني المقصد العالي التركيز على خدمة الأمّة لا الأفراد، فينبغي التأكيد على أنّ الإحسان إنّما يكون إحساناً حقاً إن كان للأسرة الإنسانية أي للنوع أو للمحتاج أو الفقير، وعنده يكون السخاء سخاءً حقاً، وإذا كان السخاء لأجل الأمة، أو للفرد الذي تعد خدمته خدمة الأمة، فهو سخاء جميل، ولكن إن كان لغير المحتاج يعوّده الكسل والتسوّل والخلاصة: إن الأمة باقية، بينما الفرد فانٍ.
خدمة الأمّة إذاً مقصد أعلى من خدمة الأفراد، من ثمّ كانت خدمة الأمة خدمة للأفراد ولا عكس، لهذا ختم الأستاذ كلامه، بالتأكيد على أنّ هذا الزمان أكّد بدوره وكشف بما لا يدع مجالا للشك احتياج الملّية وفتح الباب لهذا المقصد العالي.(2)
وتعبّر مصطلحات المقصد العالي والمقصد الأصلي والمقصد الكلي عن وجه من وجوه مقاصد القرآن الكريم، والتي سمّاها بديع الزمان بالمقاصد الأساسية للقرآن الكريم.
ب - المقاصد الكلية والجزئية
(1) - انظر صيقل الإسلام 416
(2) - انظر صيقل الإسلام 415 - 420