تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم تمضي قلباً لهيفاً، وروحاً خافقاً، ونفساً مولّهةً نحو تلك "الشجرة" الطيبة المباركة التي آوتك يوم عزَّ المأوى .. وَضَمَّتْكَ حناياها يوم تجنبك الناس، وجافاك البشر، وَظَلَّلتْكَ أغصانها وأوراقها من حرور الأيام وقساوة بني الإنسان، وفرشت لك خضرة قلبها، ومنحتك ربيع نفسها، في وقت كان شتاء بشرياً رهيباً يحيط بك من كل جانب، وصحارى إنسانية قاحلة جرداء تَهُبُّ بسموم أحقادها عليك من كل مكان .

وتقترب لحظة اللقاء .. وتسير حتى إذا أصبحتْ في متناول يديك، إذا بك تميل عليها وتحتضنها احتضانَ من يَضُمَّ إليه جزءاً من نفسه، وقطعةً من كيانه .. وتلتصق بها، التصاق العائد إلى حضن أمه بعد غياب طويل، وتتلمس جذعها وأغصانها وأوراقها بيدك وعينك وبكل جارحة من جوارح كيانك .. وتلصق بها وجهك المبلّلَ بالدموع، وأنت تغالب دمعك فلا تستطيع، وتخنق أزيز الحنين فيأبى عليك ويستعصي على رغبتك، فإذا بنشيجك يتعالى، وببكائك يرتفع .. ويرين على الحاضرين من حولك صمت خاشع وسكون أسيان .. وتصعد إلى غرفتك وحيداً متفرداً كما صَعَدْتَ إليها قبل عشرين عاماً .. ويظل تلامذتك والناس معهم في مكانهم صامتين لا يريمون .. وتدلف إلى معتزلك القديم وتظل فيه مدة ساعتين، ويسمع الناس صوتا حزينا باكيا ينبعث من غرفتك، وأنت تستعيد ذكرياتك وأيامك التي أمضيتها فيها . . .

وتدمع أعينهم في صمت احتراما لآلام النفوس العظيمة التي لا يسعها الكون نفسه، ولا يقدر على استيعابها واحتوائها غير رحمة الله تعالى) (1)

***

(1) أنظر "رجل الإيمان" ص 120-121.

رسائل عن النورسية · الصفحة ٢٠٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٢٠٣