تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

( لم أذق طوال عمري البالغ نيفا وثمانين سنة شيئا من لذائذ الدنيا، قضيت حياتي في ميادين الحرب، وزنزانات الأسر، أو سجون الوطن، ومحاكم البلاد، لم يبق صنف من الآلام والمصاعب لم أتجرعه، عوملت معاملة المجرمين في المحاكم العسكرية العرفية، ونفيت وغُرِبْتُ في أرجاء البلاد كالمشردين، وحُرِمْتُ من مخالطة الناس شهوراً في زنزانات البلاد، ودسَّ لي السم مراراً، وتعرَّضت لإهانات متنوعة ومرَّت عليَّ أوقاتٌ رجّحت فيها الموت على الحياة ألف ضعف ولولا أن ديني يمنعني من قتل نفسي فربما كان سعيد اليوم تراباً تحت تراب ) (1)

ويبقى "النورسي" شخصية عالية غير عادية، تند عن الفهم إذا حاولنا فهمه ضمن الموازين التي يوزن بها الرجال ما لم نسبر أغواره التي تعكس نشاطاته الفكرية والدينية، وكما لا تُسْبَر البحار والمحيطات بمسابير الأنهار ولا يُوزَنُ الذهب الخالص بميزان غيره من المعادن، وكذلك ليس من الصواب أن ننظر إلى "النورسي" بالمنظار نفسه الذي ننظر به إلى عظماء رجال الفكر والدعوة، فالنورسي شوق مُذَابٌ، وقلبٌ رغم قوته يسيل حباً، ويقطر لوعة، وروح خافق، ونفس مولَّهَةً، وشفقةً وإشفاقٌ على بني جلدته وأمته، وعلى بني الإنسانية قاطبة، إنه يحتضن الإنسان ويخاف عليه من سجون العذاب الأبدي في الآخرة، كما يحتضن أجزاء من نفسه وقطعة من كيانه، ولنستمع إليه وهو يفصح عن نفسه قائلا:

(1) سيرة ذاتية – النورسي ص 457.

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٩٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٩٨