وهنا ينتفض الروح الرافض المتمرد على الفناء، الساعي إلى الخلود، التواق إلى الأبدية، ولأنه مخلوق لهما فهو يعشق الثبات والبقاء، ويتألم من الزوال والفناء، فيتحرك في المؤمن مهيباً به أن يقوم إلى ضفاف الأبدية، وبحار السرمدية . ويلتمس البقاء من الباقي، ويحتمي من الفناء بالحي القيوم الذي يقول: ( كل من عليها فانٍ ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ) ( الرحمن:27) فيؤدي صلاته مستحضراً في ذهنه هذه المعاني التي تنسج لروحه في كل ركعة وسجدة ثوب بقائه ورداء خلوده . . .
ألا ترى - أيها الأخ الحبيب - بعد هذا الذي ذكرناه، كم هي صلاة العصر مناسبة لوقتها، وكم هي ضرورية في أوانها .. ؟ !
4-وقت المغرب
الشمس الصفراء الشاحبة تنحدر على مهل نحو المغيب، مخلفة وراءها ظلالاً باهتة، وأشباحاً ناحلة من صور الأشياء والمرئيات .
كما تغيب الشمس - هذا الجرم السماوي الكبير الممتلئ بالحيوية والنشاط - يغيب الإنسان- هذا الجرم الأرضي العظيم - كذلك عندما يحين أجله، وتدق ساعة مغيبه، وهو لا يترك وراءه سوى أطياف ذكريات، وبقايا صور في ذاكرة أهله ومعارفه .
ويغرق الليل الدنيا، ويغمرها بالظلام كل مساء وكأنه - وهو الليل الأصغر - يريد أن يذكرها فلا تنسى أبداً ذلك الليل الأكبر القادم في يوم ما ليَلُفَّها في يَمِّهِ ويطويها بما فيها ومن فيها بلجته . . .
ويهمس المساء ناصحاً في أذن الإنسان :
أترى - أيها الإنسان - كيف يغرق غائصاً في ظلمة الليل كل شيء تحبه وتتعلق به، ألا تراه كيف ينفلت من بين يديك، وينسل من بين ناظريك، منطوياً تحت جناحه، وضائعاً في ثنايا موجه .. ؟