فاعلم: أن الجمود على الظاهر في هذه الآية مع توقد الاستعارة فيها، جمودُ بارد، وخمود ظاهر إذ كما تتضمن (قوارير من فضة) (الإنسان:16) إستعارة بديعة، كذلك تحتوي: (من جبال فيها من بَرَدٍ) على استعارة بديعة عجيبة مستملحة.
فكما أن كؤوس الجنة لم تكن من الزجاج ولا من الفضة، بل في شفافية الزجاج، وبياض الفضة، ومن حيث أن الزجاجة لا تكون من الفضة لتخالف النوعين، أشار إلى الاستعارة بذكر "من" بالإضافة كذلك (من جبال فيها من برد) متضمنة لاستعارتين مؤسستين على خيال شعري بالنظر إلى السامع:
وذلك الخيال مبني على ملاحظة المشابهة والمماثلة بين " العالم العلوي " وتشكل " العالم السفلي " وتلك الملاحظة مبنية على تصور المسابقة والرقابة بين الأرض والجو في لبس الصور من يد القدرة.
كأن الأرض لما برزت بجبالها اللابسة للبِيْضِ من حُلَلِ الثلج والبرد في الشتاء، ومتعمِّمَة بها في الربيع، ثم تزينت في الصيف ببساتينها المتلونة، فأظهرت في نظر الحكمة - بانقلاباتها، ( معجزة القدرة الإلهية ) قابلها جو السماء محاكيا لها، مسابقاً معها لإظهار( معجزة العظمة الإلهية ) فبرز متبرقعاُ ومتعمماً بالسحاب المتقطع جبالاً، وأوطاداً وأودية، والمتلونة بألوان مختلفة مصورة لبساتين الأرض، ملوحاً ذلك الجو بأجلى دلائل العظمة وأجلها .