تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتحت الأقدام ماء خلقتي ونخاع عظامي ممزوجين .

وكلما نظرت إلى الخلف رأيت هذه الدنيا سراباً في سراب .

وإذا ما امتد نظري إلى الأمام، فالقبر فاتح فاه، وطريق الأبد يتراءى من بعيد .

وإني لا أملك سوى " الجزء الاختياري " وهو عاجز، قاصر عديم الجدوى .

إذ لا مجال له للحلول في الماضي، ولا النفوذ إلى المستقبل .

وإنما ميدان تجواله هو : زمان الحال، وآن واحد سيال .

وعلى الرغم من هذا الفقر والضعف فقد كتب قلم قدرتك في الفطرة ميلاً إلى الأبد أملاً في الخلود .

فدائرة الاحتياج واسعة سعة امتداد النظر، فأينما يصل الخيال تصل الحاجة أيضاً .

بينما دائرة اقتداري قاصرة .. كاليد .

ففقري وحاجتي بسعة الدنيا إذن .

ورأس مالي مثل " الجزء الذي لا يتجزأ " فأين هذا الجزء من تلك الحاجات التي تسع الكائنات.. ؟ ولكني أنطلق في سبيلك من هذا الجزء كي أحظى بعنايتك .

إن رحمتك المطلقة ملاذي .

فالذي يجد فيضاً من الرحمات، لا يعتمد على هذا الجزء الاختياري الذي هو قطرة من سراب .

يا رب .. ؟ هذه الدنيا ما هي إلا كالمنام، وهذا العمر يذهب أدراج الرياح .

والإنسان فان بفناء الدنيا، والآمال الفانية آلام في البقاء .

تعالي أيتها النفس التي لا حدود لها ضحي بوجودك الفاني .

فخالقك الذي بيده الوجود .. موجود .

له الملك وهو المعطي، فافنِ نَفْسَكِ كي تجد النفس البقاء .

وذلك بسر : نفي النفي إثبات .

يا إلهي .. يا ذا الجود والكرم هب لي ملكاً من عندك .

وأعطني قيمة لا حدود لها، فأنك أنت الحفيظ ). (1)

26-بين العرش والقلب

(1) المثنوي العربي النوري ص 198 .

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٧١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٧١