وتحت الأقدام ماء خلقتي ونخاع عظامي ممزوجين .
وكلما نظرت إلى الخلف رأيت هذه الدنيا سراباً في سراب .
وإذا ما امتد نظري إلى الأمام، فالقبر فاتح فاه، وطريق الأبد يتراءى من بعيد .
وإني لا أملك سوى " الجزء الاختياري " وهو عاجز، قاصر عديم الجدوى .
إذ لا مجال له للحلول في الماضي، ولا النفوذ إلى المستقبل .
وإنما ميدان تجواله هو : زمان الحال، وآن واحد سيال .
وعلى الرغم من هذا الفقر والضعف فقد كتب قلم قدرتك في الفطرة ميلاً إلى الأبد أملاً في الخلود .
فدائرة الاحتياج واسعة سعة امتداد النظر، فأينما يصل الخيال تصل الحاجة أيضاً .
بينما دائرة اقتداري قاصرة .. كاليد .
ففقري وحاجتي بسعة الدنيا إذن .
ورأس مالي مثل " الجزء الذي لا يتجزأ " فأين هذا الجزء من تلك الحاجات التي تسع الكائنات.. ؟ ولكني أنطلق في سبيلك من هذا الجزء كي أحظى بعنايتك .
إن رحمتك المطلقة ملاذي .
فالذي يجد فيضاً من الرحمات، لا يعتمد على هذا الجزء الاختياري الذي هو قطرة من سراب .
يا رب .. ؟ هذه الدنيا ما هي إلا كالمنام، وهذا العمر يذهب أدراج الرياح .
والإنسان فان بفناء الدنيا، والآمال الفانية آلام في البقاء .
تعالي أيتها النفس التي لا حدود لها ضحي بوجودك الفاني .
فخالقك الذي بيده الوجود .. موجود .
له الملك وهو المعطي، فافنِ نَفْسَكِ كي تجد النفس البقاء .
وذلك بسر : نفي النفي إثبات .
يا إلهي .. يا ذا الجود والكرم هب لي ملكاً من عندك .
وأعطني قيمة لا حدود لها، فأنك أنت الحفيظ ). (1)
26-بين العرش والقلب
(1) المثنوي العربي النوري ص 198 .