تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكن لما حاول الدخلاء والأعاجم الدخول في صفوف الأدباء فلت الأمر، لأن مزاج الأمة مثلما أنه منشأ أحاسيسها ومشاعرها، فأن لسانها القومي يعبر عن تلك المشاعر ويعكس تلك الأحاسيس. وحيث أن أمزجة الأمة مختلفة. فاستعداد البلاغة في ألسنتها متفاوت أيضاً. ولا سيما اللغة العربية الفصحى المبنية على قواعد النحو.

وبناءا على هذا فأن نظم اللفظ الذي هو أرض قاحلة لا تصلح لأن تكون مسيلاً لجريان الأفكار، ومنبتاً لأزاهير البلاغة، وقد أعترض مجرى البلاغة الطبيعي وهو نظم المعنى فَشَوَّشَ البلاغة.

ثم يمضى قائلا:

فداروا -أي أولئك الأدباء - حيث دار اللفظ بعد تصور المعاني، بل حتى غلب اللفظ المعنى وسخره لنفسه، فاتسعت المسافة بين طبيعة البلاغة، وهي كون اللفظ خادما للمعنى، وصنعة العاشقين للفظ. فأن شئت فادخل في "مقامات الحريري" فأنه مع جلالة قدرة في الأدب فقد استهواه حب اللفظ وبذلك أخل بأدبه الرفيع، فأصبح قدوة للمغرمين باللفظ، حتى خصص "الجرجاني" -ذلك العملاق- ثلث كتابيه "دلائل الأعجاز" و "أسرار البلاغة" دواءً لعلاج هذا الداء.

نعم إن حب اللفظ داء، ولكن لا يعرف أنه داء!

وينبه فيقول: كما أن حب اللفظ مرض، كذلك حب التصوير "الفني" وحبُّ الأسلوب، وحب التشبيه، وحب الخيال، وحب القافية مرض مثله، بل ستكون هذه الأمراض بالإفراط أمراضاً مزمنة في المستقبل، كما تبدو البوادر من الآن حتى يضحى بالمعنى في سبيل ذلك الحب.

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٦٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٦٣