"من المعلوم أن أراضي مصر جرداء قاحلة؛ إذ هي جزء من الصحراء الكبرى، إلا أنها تدّر محاصيل وفيرة ببركة نهر النيل، حتى غدت كأنها مزرعة تجود بوفير المحاصيل، لذا فإن وجود مثل هذه الجنة الوارفة بجنب تلك الصحراء التي تستطير ناراً جعل الزراعة والفلاحة مرغوبة فيها لدى أهل مصر، حتى توغلت في طبائعهم، بل أضفت تلك الرغبة الشديدة في الزراعة نوعاً من السمو والقدسية، كما أضفت بدورها قدسية على واسطة الزراعة من ثور وبقر، حتى بلغ الأمر أن منح أهل مصر -في ذلك الوقت- قدسية على البقر والثور إلى حد العبادة، وقد ترعرع بنو إسرائيل في هذه المنطقة وبين أحضان هذه البيئة والأجواء، فأخذوا من طبائعهم حظاً، كما يفهم من حادثة "العجل" المعروفة. وهكذا يعلمنا القرآن الكريم بذبح بقرة واحدة أن سيدنا موسى عليه السلام قد ذبح برسالته مفهوم عبادة البقر، ذلك المفهوم الذي سرى في عروق تلك الأمة، وتنامى في استعداداتهم، فالقرآن الكريم إنما يبين بهذه الحادثة الجزئية بياناً معجزاً، دستوراً كلياً ، ودرساً ضرورياً في الحكمة يحتاجه كل أحد في كل وقت.
فافهم قياساً على هذا أن الحوادث الجزئية المذكورة في القرآن الكريم على صورة حوادث تاريخية، إنما هي طرف وجزء من دساتير كلية شاملة ينبئ عنها... "(1).
(1) الكلمات، ص269-271.