تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فتربية وجدان المسلم، وتلوينه بلون العصر الذي يعايشه من دون مسخه أو استلاب أصالته، كان وما يزال من أبرز اهتمامات المفكرين والمربين منذ بواكير الإسلام الأولى، وحتى يومنا هذا، وقد سجل التاريخ، أسماء جمهرة كبيرة من هؤلاء المربين في مختلف عصوره وأزمانه، كانوا قد أسهموا بقدر أو بآخر في تشكيل هذا الوجدان وتهيئته لمتطلبات زمانهم.

والنورسي شأنه شأن المربين الآخرين قد كرس معظم جهده لتربية وجدان المسلم في هذا العصر الكوني الذي يظلنا، ويسيطر على اهتمامات العلماء والمفكرين وقادة الرأي على مختلف مناحيهم واتجاهاتهم، فهو يرفض للمسلم أن يحيا على هامش العصر، أو على حافاته البعيدة منزوياً طلباً للسلامة والنجاة من تكاليفه ومسؤولياته، بل يريد له أن يحيا في قلبه، وفي الحشاشة من لبه، يتأثر به، ويؤثر فيه.

ونقطة الانطلاق في منهاج "النورسي" التربوي تبدأ من "الحياة" التي تتلبس الإنسان، وكلَّ شئ حي، مروراً بالكون، ووصولاً في نهاية المطاف إلى خالق الكون والإنسان: وإنّ إلى ربّك المنتهى.

فالحياة في الإنسان شئ جميل ومقدس، تكتسب قدسيتها من قداسة المانح والمعطي خالق الحياة، فإذا اقتنع الإنسان بقداسة الحياة التي بين جنبيه، واعتقد نفاستها وعظمتها، وطهارة منبعها، حرص عليها، ولم يلوثها أو يدنسها، ولم يفرط بها، أو يتهاون في شأن ترقيتها، أو يحقرها ويهبط بها، أو يحسّها عبئاً ثقيلاً يرغب - أحياناً - بالتخلص منها، أو ينزل بها منازل الحيوان، أو يجعلها في خدمة مَنْ يعطي فيها ثمناً أعلى، أو يركسها وينحط بها إلى درك الدنس والخنا والخسة والجريمة.

فالحياة - كما يصورها" النورسي" -: "هي خلاصة مترشحة من هذا الكون.. والشعور والحسّ مترشحان من الحياة، فهما خلاصتها، والعقل مترشح من الشعور والحس فهو خلاصة الشعور".

رسائل عن النورسية · الصفحة ١١٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١١٦