تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والنوع الثاني من التكرار تكرار القصة 34، والقرآن الكريم يعتمد القصص أسلوباً بلاغياً في الدعوة. قال تعالى:”نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين” 35وإن أكثر القصص دوراناً في القرآن الكريم قصص الأنبياء،لأنهم جوهر الدعوة ومناطها،ولعل قصة موسى عليه السلام أكثرها ترداداً وتكراراً، لتصوير ما كان عليه بنو إسرائيل من عناد وجحود وكفران. وقد ورد ذكر موسى عليه السلام في أربع وثلاثين سورة من سور القرآن الكريم، وتأتي قصته أحياناً موجزة وأحيانا مفصلة، وأكثر ما وردت مفصلة في “طه” و “القصص” و”البقرة” و “الأعراف” و “الشعراء”، والمتأمل يصل إلى ما قرره بديع الزمان من أنه “لا تكرار إلا في الصورة”، وإلاّ فإن كل سورة تقدم لنا جوانب جديدة من القصة، ومشاهد غير معهودة، وكل مرة يقع التركيز على جانب من الجوانب، فمرة على حياة موسى عليه السلام، ميلاداً ونشأة إلى أن استوى وأوتي النبوة، ومرة تقع العناية بتصوير عناد الكافرين ومآلهم، وحينا يظهر مشهد متميز، كمشهد “مؤمن آل فرعون” في سورة “غافر”، أو مشهد “السامري” وعجل بني إسرائيل في سورة “طه”، وهكذا دواليك..

ففي كل مرة تتكرر فيها القصة يتجدد معنى من المعاني، وفي كل مشهد تتولد عبرة من العبر، وفي كل كرة يقع التركيز على دلالة من الدلالات، فقصة موسى مثلاً تتكرر مراراً كما رأينا، ويكون الغرض حينا ترسيخ التوحيد وصفاء العقيدة، وحينا إثبات القدرة الإلهية، وحينا تصوير الصراع بين الحق والباطل، وإبراز مآل المؤمنين ومصير الكافرين، وحينا عناية الله بالمتقين، وحينا تأكيد وحدة الدين وتعدد الرسالات، وحينا إبراز وحدة المنهج في الدعوة إلى الله تعالى، وهكذا...

أسرار التكرار:

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٠٤٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٠٤٧