لما كان التكرار أسلوباً بلاغياً، ورد في القرآن الكريم، في صور عديدة، كان علماء الإعجاز - البياني منه خاصة - مؤهلين أكثر من سواهم لمعالجة هذا الموضوع وتفصيل الحديث فيه، بيد أن الناظر في كتب الإعجاز لا يظفر بما يروي غلته، فمنهم من مرّ على الظاهرة مروراً عابراً، ومنهم من لم يلتفت إليها، وأما الذين وهبوها قدراً من العناية فقليل ما هم.
ولو أننا رجعنا، مثلاً، إلى ما قاله الباقلاني في كتابه “إعجاز القرآن” عن التكرار، لوجدناه يمر به مراً سريعاً، هذا على شدة عنايته بتلمس مظاهر الإعجاز البلاغي. يقول أبو بكر الباقلاني: “ومن البديع عندهم: “ التكرار”، كقول الشاعر:
هلا سألت جموع كنـ ـدة يوم ولوا أين أينا؟
وكقول الآخر:
وكانت فزارة تصلى بنا فأولى فزارة أولى فزارا
ونظيره من القرآن كثير، كقوله تعالى: “فإن مع العسر يسرا، إن مع العسر يسرا”
وكالتكرار في قوله: “قل يا أيها الكافرون”، وهذا فيه معنى زائد على التكرار، لأنه يفيد الإخبار بالغيب” 17
وفي هذا - كما لا يخفى - إشارات ذكية، إلا انه أوجز إيجازاً يترك بالقارئ ظمأ إلى مزيد.
على أن بعضهم ينكر أن يكون في القرآن الكريم تكرار، ويسمي ما جاء منه على تلك الصورة تصريفا، لا تكرارا. وهذا كما أنكرت فئة أن يكون في القرآن الكريم سجع وسموه ما جاء ضريبا له فواصل.ولا أرى هذا إلا تصرفا في المصطلح،دون الدلالة، وهم يقولون: لامشاحة في الاصطلاح. على أننا نستعمل مصطلح التكرار عند النورسي، لأن النورسي رحمه الله تعالىسماه كذلك، وإن كانت له فيه نظرات متميزة، وهذا ما يسعى هذا البحث إلى تبيانه.
بديع الزمان وبلاغة التكرار في القرآن الكريم
بلاغة التكرار معجزة:
بالنظر إلى ما كتب بديع الزمان سعيد النورسي حول التكرار في القرآن الكريم، وقياساً إلى ما رأينا عند علماء الإعجاز، نستطيع أن نطمئن إلى أن تميز بديع الزمان كان من وجوه: