تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

و "رسائل النور" تسعى لكي تعيد إلى عقل المسلم صحوه الغائب، وتدير في مغاليقه مفاتيح الأفكار، وَتُرجِعَ لخلاياه الكسول الحيوية والنشاط، وتشحذَ قدرته على دقة الملاحظة، وذكاء اللمحة، وسعة النظرة والخيال.

وهذه هي أشراط ولادة الفكر الإيماني الحي الذي بشّر به "النورسي" وتحدث لطلابه عن إرهاصاته وتباشيره.

غير أن المفكر الإسلامي الموعود والمرصود لمواصلة المسيرة التي بدأها "النورسي" لا يمكن أن ينجم من فراغ، أو يسقط من هواء، بل لابد له من أرض صالحة يُسْتَنْبَتُ فيها.. ولا أحسب أرضاً صالحة يمكن أن تنشق عن نبتة هذا المفكر الواعد مثل رسائل النور المفعمة بالمنقول الإلهي، والمؤيد والمعزز بالمعقول الكوني، فطينة أرضها مزيج من الائتلاف الحميم بين الشريعتين الكونية والقرآنية، وحين يأتي هذا المفكر - وهو آتٍ لا محال - فإن إحدى الحوادث الكبرى في تاريخ الإسلام والمسلمين تكون قد ولدت، الأمر الذي يوجب على المسلمين الاحتفاء بمولدهِ كما كانت قبائل العرب تحتفي بمن ينبغ فيها من شعرائها. و "النورسي" لا يرى شيئاً أشدّ سقوطاً، وأشنع انحداراً، من أن يتجرد رأي الإنسان في هذه الخليقة من أي معنىً الهي، لذلك فليس من شأننا نحن المسلمين - أو من شأن مفكرينا - أن نعقل حقائق الأشياء بالعقل المجرد وحده - كما يريدنا الغربيون أن نفعل - بل بالعقل المستضيئ بالإيمان، وبالبصيرة المستنيرة بالقرآن. فحضارة الإسلام - كما بشّر بها النورسى - لا تبنيها اليوم إلاّ عقول موسوعية كبيرة وعميقة، لا يقوى على اختراق حصونها الفكرية خارق أياً كان، ولا تنشؤها إلاّ أرواح جبارة شامخة، تستعصي في سموها وجلالها على عاديات الأيام، وفادحات الدهور، ولا يعلو بناؤها، ويرتفع شأنها، إلاّ بالإنسان المؤمن البصير الواعي الذكي اللّماح الذي ينذر حياته كلها من أجل أن يسهم في إقامة صرح هذه الحضارة ولو بلبنة واحدة.

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٠٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٠٤