تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الشعر والتصوف توأمان، كلاهما مجاهدة باطنية وسعي إلى خرق الحجب بحثا عن مجهول لا يكاد يدرك. وكلاهما أيضاً قرين الدهشة والتحير اللذيذين اللذين يعانيهما السالك الشاعر. اللغة عند الشاعر والمتصوف على السواء تتجافى عن الكلام العادي، ويكون الرمز والإشارة واللمح فيها بديلا عن الخطاب المعهود بين عامة الناس. إلا أن هذا لا يجعلنا نذهب إلى القول بأن الشعر "باعتباره كشفا ورؤيا غامض، متردد، لا منطقي"(42). إن الشعر، حتى باعتباره كشفا ورؤيا لا بد له من منطقه الخاص. هذا المنطق الخاص لا يؤدي إلى أن يصبح الشعر غامضا لا يفهم ، بقدر ما يؤدي إلى خصوبة شعرية تجعل الشعر قابلا للتأويل، منفتحا على وفرة المعاني، دون أن يشتط هذا التأويل بحيث يصبح النص ملتفا على نفسه، ومؤدياً إلى غير ما يريد. الشعر والتصوف مجاهدة باطنية ذاتية تعطي الحياة لذة خاصة لأنها توق إلى لذة طي عالم الشهادة ومعاينة عالم الغيب. إن الحياة تفقد معناها إن هي فقدت طعم لذة خاصة المجاهدة، بل إن الراحة هي عين المجاهدة. أما الراحة الظاهرة، التي هي قرينة الكسل والخمول والثبات فهي الموت المحقق. الثبات موت والتغيير حياة. الحياة حركة والموت همود. "الحياة المريحة تورث الإنسان تآكلا روحيا كما تورث العصيدة السوس وتأكل الأسنان" 43 الشعر كالتصوف، طموح إلى الأبدية، والأبدية تبدأ من إدراك الذات. "الأبدية تفتح بابها من مركز الذرة" . هذا ما قاله ولهم بليك.(44)

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٠٢٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٠٢٠