ومن البؤس الداعي إلى الشفقة أن يرى بعض الحداثيين "الآخر"، أي غير المسلم، وكأنه خلاص للذات، وكأن بناء الذات لا يبدأ من إدراك الذات بل من إلغائها، "وهكذا يكون الآخر عنصر تكوين من حيث هو عنصر كشف معرفي"31. فكيف يكون "الآخر" عنصر كشف معرفي إذا كان هذا الآخر نفسه عاجزا عن إدراك ذاته؟ وهذا الآخر لا تحتاج معرفته إلى تأويل، إذ يصرح علانية أن الآخر "هو هنا الغربي أساساً"32 فلننظر إلى هذه الرؤية التقديسية للآخر، ولنوازن بينها وبين النظرة التحررية التي يعالج بها النورسي هذه الأشياء. يقول النورسي كاشفا حقيقة العلاقة مع الآخر "الذي هو الغربي الكافر" بأسلوبه الشاعري المبين: "اعلم أن الفرق بين مدنية الكافرين ومدنية المؤمنين، أن الأولى: وحشة مستحالة ظاهرها مزين ، باطنها مشوه، صورتها مأنوسة، سيرتها موحشة.. ومدنية المؤمنين باطنها أعلى من ظاهرها، معناها أتم من صورتها، في جوفها إنسية وتحبب وتعاون، والسر: أن المؤمن بسر الإيمان والتوحيد يرى أخوة بين كل الكائنات، وإنسية وتحببا بين أجزائها، لاسيما بين الآدميين ولاسيما بين المؤمنين. ويرى أخوة في الأصل والمبدأ والماضي، وتلاقيا في المنتهى مع أخيه؛ إذ لا يرى الأخوة إلا نقطة اتصال بين افتراق أزلي ممتد، وفراق أبدي سرمد؛ إلا أنه بنوع حمية ملية أو غيرة جنسية تشتد تلك الأخوة في زمان قليل، مع أن ذلك الكافر لا يحب في محبة أخيه إلا نفس نفسه. وأما ما يرى في مدنية الكفار من المحاسن الإنسانية والمعالي الروحية، فمن ترشحات مدنية الإسلام، وانعكاسات إرشادات القرآن وصيحاته، ومن بقايا لمعات الأديان السماوية".33
رسائل عن النورسية · الصفحة ١٠١٥
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
رسائل عن النورسيةص ١٠١٥
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي