لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) (الروم:30) .
و نسوق إليك بعد هذه المقدمة بعضا من غرائب الحوادث في هذا الكون , و سترى انها على قلتها بالنسبة لعظمة الكون و ما فيه من دقة و إحكام ستكون كافية لأن تشعر في نفسك بما قدمت لك .
الملاحظة الأولى : هذا الهواء الذي نستنشقه مركب من عدة عناصر , منها جزءان هامان : جزء صالح لتنفس الإنسان و يسمى باصطلاح الكيميائيين الأكسجين , و جزء ضار به و يسمى الكربون , فمن دقائق الارتباط بين وحدات هذا الوجود المعجز أن هذا الجزء الضار بالإنسان يتنفسه النبات و هو نافع له , ففي الوقت الذي يكون الإنسان فيه يستنشق الأكسجين و يطرد الكربون يكون النبات يعمل عكس هذه العملية , فيستنشق الكربون و يطرد الأكسجين , فانظر إلى الرابطة التعاونية بين الإنسان و النبات في شيء هو أهم عناصر الحياة عندهما , و هو التنفس , و قل لي بعد ذلك : هل يفعل هذا في الكون العظيم غير عظيم قادر واسع العلم , دقيق الحكمة ؟
الملاحظة الثانية : أنت تأكل الطعام و هو يتركب من عدة عناصر نباتية أو حيوانية , يقسمها العلماء إلى مواد زلالية , أو نشوية , أو دهنية , مثلا , فترى أن الريق يهضم بعض المواد النشوية , و يذيب المواد السكرية و نحوها مما يقبل الذوبان , و المعدة يهضم عصيرها المواد الزلالية كاللحم و غيره , و الصفراء المنفرزة من الكبد تهضم الدهنيات , و تجزئها إلى أجزاء دقيقة يمكن امتصاصها , ثم يأتي البنكرياس بعد ذلك فيفرز أربع عصارات تتولى كل واحدة منها تتميم الهضم في عنصر من العناصر الثلاثة : النشوية أو الزلالية أو الدهنية , و الرابعة تحول اللبن إلى جبن , فتأمل هذا الارتباط العجيب بين عناصر الجسم البشري , و عناصر النبات و الحيوان و الأغذية التي يتغذى بها الإنسان .