ومن المبررات التي اتخذها بعض الذين سلكوا سبيل الغربيين , أنهم أخذوا يشهرون بمسلك رجال الدين المسلمين من حيث موقفهم المناوئ للنهضة الوطنية , وتجنيهم على الوطنيين وممالأتهم للغاصبين وإيثارهم المنافع الخاصة والمطامع الدنيوية على مصلحة البلد والأمة , وذلك إن صح فهو ضعف من رجال الدين أنفسهم لا في الدين ذاته , وهل يأمر الدين بهذا؟ , وهل يمليه سيرة الأجلاء الأفاضل من علماء الأمة الإسلامية الذين كانوا يقتحمون على الملوك والأمراء أبوابهم وسدودهم , فيقرعونهم ويأمرونهم وينهونهم ويرفضون أعطياتهم ويبيّنون لهم الحق ويتقدمون إليهم بمطالب الأمة , بل ويحملون السلاح في وجوه الجور والظلم , وما نسي التاريخ بعد كتيبة الفقهاء في صف ابن الأشعث في شرق الدولة الإسلامية , ولا ثورة القاضي بن يحيى الليثي المالكي في غربها .
هذه تعاليم الدين وهذا ماضي رجاله من فقهاء المسلمين فهل فيه شيء من هذا الذي يزعمون؟ وهل من الإنصاف أن يتحمل الدين تبعة رجال انحرفوا عنه؟
وعلى هذه المزاعم إن صحت في قوم فليست صحيحة للجميع , وإن وقعت لظرف خاص فليست تسار كل الظروف, وهذا تاريخ النهضات الحديثة في الشرق حافل بمواقف رجال الدين المسلمين في كل أمة من الأمم , وما موقف الأزهر في مصر والمجلس الأعلى في سوريا الجنوبية (فلسطين) وسوريا الشمالية (لبنان) ومولانا أبي الكلام وإخوانه من جلة العلماء الهند وزعماء المسلمين في إندونيسيا بمنسي ولا ببعيد , فتلك إذاً مزاعم يجب ألا تتخذ ذريعة لتحويل الأمة عن دينها باسم الوطنية المجردة , أو ليس الأنفع للأمة أن تصلح رجال الدين وتصطلح عليهم بدلا من أن تقف منهم الموقف المبيد .
على إن هذه التعبيرات التي سرت إلينا تقليدا ومنها (رجال الدين) لا تنطبق ولا تتفق مع عرفنا , فإنها إن كانت مع الغرب خاصة (بالأكليروس) , فأنها في العرف الإسلامي تشمل كل مسلم , فالمسلمون جميعا من أصغرهم لأكبرهم رجال دين .