القبلة :فعلى المؤمنين أن يصرفوا وجوههم وقلوبهم وأفئدتهم كل يوم خمس مرات على الأقل إلى "الكعبة" بناها إبراهيم أبو الأنبياء عليه الصلاة والسلام ، وأن يشعر كل منهم بما يحيط بهذا الرمز الكريم من معاني الأخوة وبالوحدة بين الناس جميعا ، كما أن طواف الطائفين بهذه الكعبة المشرفة إن هو إلا توكيد لهذا الشعور عمليا كذلك , وينتهز بعض الذين لا يعلمون الحكمة البالغة والنظرة السامية في هذا التشريع الحكيم هذه الفرصة فيغمزون الإسلام بأنه لا زال متأثرا ببقية من وثنية العرب , وأن الكعبة والطواف من حولها ، والحجر الأسود واستلامه وما يحيط بذلك من معاني التقديس والتكريم إن هو إلا مظهر من مظاهر هذا التأثر , وهذا القول بعيد عن الصحة عار عن الصواب ، فالمسلم الذي يرف بالكعبة أو يستلم الحجر يعتقد اعتقادا جازما أنها جميعا أحجار لا تضر ولا تنفع ولكنه إنما يقدس فيها هذا المعنى الرمزي البديع: معنى الأخوة الإنسانية الشاملة ، والوحدة العالمية الجامعة . ويذكر في ذلك قول الله العلي الكبير (جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ) (المائدة:97). والرمزية هي اللغة الوحيدة لتمثيل المعاني الدقيقة والمشاعر النبيلة التي لا يمكن أن تصورها الألفاظ أو تجلوها العبارات ، والذي يعظم علم وطنه يعلم أنه في ذاته قطعة نسيج لا قيمة لها ماديا ولكنه يشعر كذلك أنها ترمز إلى كل معاني المجد والسمو التي يعتز بها وطنه , وإنها تصور أدق المشاعر في وطنيته , فهو يحمي هذا العلم ويعظمه ويحترمه ويكرمه لهذه المعاني التي تجمعت جميعا وتمثلت فيه . والكعبة المشرفة علم الله المركوز في أرضه ليمثل به للناس أوضح معاني أخوتهم وليرمز به إلى أقدس مظاهر وحدتهم , وإنما كانت بناء ليكونوا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا , ومن أجمل الجميل أن يقوم على رفع قواعد هذا البناء إبراهيم الخليل أبو الأنبياء (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ
رسائل الإمام حسن البنا · الصفحة ٤٠٨
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
رسائل الإمام حسن البناص ٤٠٨
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي