تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قلت ذات مرة مداعبا للسامعين في إحدى المحاضرات ـ وكانت خطوة موفقة كل التوفيق والحمد لله ـ إن هذه الصلاة الإسلامية التي نؤديها في اليوم خمس مرات ليست إلا تدريبا يوميا على نظام اجتماعي عملي , امتزجت فيه محاسن النظام الشيوعي بمحاسن النظام الديمقراطي بمحاسن النظام الدكتاتوري ، فعجبوا وقالوا: كيف كان ذلك؟.. فقلت: أفضل ما في النظام الشيوعي من حسنات تدعيم معنى المساواة والقضاء على الفوارق والطبقات , ومحاربة الاعتزاز بالملكية التي يكون عنها هذا التفاوت .. وهذه المعاني كلها يستحضرها المسلم ويشعر بها تماما , وتتركز في نفسه إذا دخل المسجد لأنه يستشعر لأول دخوله أن هذا المسجد لله ، لا لأحد من خلقه ، وأنه سواء العاكف فيه والباد ، لا صغير فيه ولا كبير ولا أمير ولا حقير ولا فوارق ولا طبقات ، فإذا صاح المؤذن: (قد قامت الصلاة .. قد قامت الصلاة) , استوى هذا الجمع خلف إمامه كالبنيان المرصوص , فلا يركع أحد حتى يركع الإمام ولا يسجد حتى يسجد ولا يأتي بحركة أو سكون إلا تابعا له ومقتديا به ومقلدا إياه ، وهذا هو أفضل ما في النظام الدكتاتوري: الوحدة والنظام في الإرادة والمظهر على السواء ، ولكن هذا الإمام مقيد هو نفسه بتعاليم الصلاة ودستورها ، فإذا انحرف أو أخطأ في تلاوة أو عمل كان للصبي الصغير وللرجل الكبير وللمرأة المصلية خلفه ، كان لكل واحد من هؤلاء الحق كل الحق أن ينبهه إلى خطئه وأن يرده ، إلى الصواب في أثناء الصلاة , وكان على الإمام كائنا من كان أن ينزل على هذا الإرشاد وأن يعدل عن خطئه إلى الحق والصواب ، وليس في الديمقراطية أروع من هذه الحسنات .. فماذا بقى بعد ذلك لهذه النظم من فضل على الإسلام؟! .. وقد جمع محاسنها جميعا واتقى بهذا المزج البديع كل ما فيها من سيئات (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) (النساء:82) .

لا مبرر للانزعاج:

رسائل الإمام حسن البنا · الصفحة ٤٠٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل الإمام حسن البناص ٤٠٣